الثلاثاء 6 صفر 1424 هـ الموافق 8 ابريل 2003 قافلة دبابات أميركية تقع في كمين عراقي. احد عشر جنديا أميركيا يقتلون على الفور.. ويتم اسر جندية. لاحقاً تنفذ قوة أميركية عملية ناجحة لاختطاف زميلتهم من مستشفى في مدينة الناصرية. عملية الانقاذ الناجحة تذاع تفاصيلها في وسائل الاعلام العالمية فور انتهائها.. لكن قصة الكمين والقتلى الأميركيين الاحد عشر لا تذاع الا بعد ان ينكشف أمرها بعد مرور عشرة أيام. والسؤال الذي يطرح نفسه هو: اذا كانت وزارة الدفاع الاميركية تكتمت على القصة فلماذا سكت عنها المراسلون الصحفيون الاميركيون والبريطانيون الذين يرافقون الوحدات الاميركية المقاتلة في الاراضي العراقية؟ ان الحادثة تكشف لنا ـ ضمن سياق حوادث أخرى عديدة ومماثلة ـ الطبيعة الاعلامية الشاذة للحرب الاميركية على العراق مما يجعلها فريدة بالمقارنة مع الحروب الأميركية السابقة. السمة الاعلامية الابرز للحرب الراهنة تتمثل في ان مراسلي الشبكات التلفزيونية والاذاعية والمؤسسات الصحفية الاميركية والبريطانية المرافقين للوحدات القتالية ليسوا احرارا في عملية صياغة الاخبار وإرسالها. فليس بوسعهم ان يبعثوا بأي مادة اخبارية الا ان تكون مبنية على المعلومات التي يتلقونها من القيادات العسكرية الميدانية. هذا الترتيب الذي ظل ساريا منذ بدء الحرب وحتى الآن وسوف يظل ساريا لم يأت من قبيل الصدفة.. وهو ليس من ابتداع الضباط المقاتلين في الميدان. انه سياسة رسمية جديدة وضعها وزير الدفاع الاميركي دونالد رامسفيلد كجزء من التخطيط الشامل للحرب. وبموجب هذه السياسة وضع «ضوابط» للنشاط الاخباري الاعلامي ابتداء من موقع الحدث. بكلمات اخرى وضع رامسفيلد نظام رقابة على التدفق الاخباري باخضاع الاداء المهني اليومي للمراسلين الميدانيين لسلطة القيادات العسكرية في مسارح القتال.. بحيث لا يعرف مئات الملايين من جماهير المشاهدين والمستمعين والقراء في كل انحاء العالم وخاصة في الولايات المتحدة عما يجري الا بالقدر والنوع الذي تسمح به آلية الرقابة التي فرضها رامسفيلد. ولذا فان التقارير الاخبارية التي تبث من وسائل الاعلام الاميركية والبريطانية بشأن مجريات الحرب اما ان تكون ناقصة او محرفة بالاضافة الى ما يتم التعتيم عليه جزئيا أو كليا، مؤقتا أو نهائيا. ابتكار رامسفيلد لم يأت من فراغ. فهو يوظف عمليا ما توصل اليه من استخلاصات نظرية من حروب اميركا الماضية.. وتحديدا الحرب الفيتنامية «1965 ـ 1975» والحرب الاميركية الاولى ضد العراق «1991». يعلم رامسفيلد كما يعلم غيره ان ثورة الشارع الاميركي ضد الحرب الفيتنامية التي اندلعت عند اواخر عقد الستينيات وانتقلت الى عقد السبعينيات والتي ادت تداعياتها التصاعدية الى الاطاحة بالرئيس ريتشارد نيكسون والى نهاية الحرب كان مبعثها حرية الاعلام الاميركي في ذلك الحين. فمشاهد الحرب كانت تنقل بالكامل الى غرف المعيشة. ان تأثير الاعلام الاميركي في إلهاب مشاعر الجمهور الاميركي عن طريق النقل الامين الكامل لمجريات الحرب الفيتنامية وبالتالي تبلور رأي عام مناهض للتورط العسكري الاميركي في الحرب مسجل وموثق في العديد من الكتب التي صدرت لاحقا عن تجربة فيتنام. هنا يبرز بصورة خاصة كتاب مايكل ماكلير «حرب العشرة الاف يوم» وقيمة كتاب ماكلير بالمقارنة مع غيره تتمثل في ان المؤلف قضى 13 عاما في فيتنام، منها اعوام الحرب العشرة، مراسلا تلفزيونيا للتلفزيون الكندي ولاحقا لتلفزيون «بي.بي.سي». لقد أفرد ماكلير «وهو كندي الجنسية» في كتابة فصلا لدور الاعلام الاميركي في الحرب قدم من خلاله ملاحظات من شخصيات رئيسية ـ عسكرية ومدنية ـ ممن كانوا يحتلون مناصب نافذة اثناء فترة الحرب. ومثل هذه الملاحظات في صميم التجربة هي التي بنى عليها دونالد رامسفيلد استخلاصاته. من هذه الشخصيات الجنرال وليام وستمورلاند الذي كان قائدا عاما للقوات الأميركية في فيتنام لمدى سنين. يقول الجنرال: ان التدفق الاخباري الحر الذي كان يأتي من مسارح القتال اعطى الشعب الاميركي الانطباع بأن القوات الاميركية كانت في حالة انهزام «وتلك كانت الحقيقة» وخلق تأثيراً في الرأي العام الى درجة ان السلطة السياسية أخذت تفكر في الانسحاب. وكان استخلاص الذويرث بنكر السفير الاميركي في فيتنام الجنوبية سابقا هو «ان من المشكوك فيه ان تستطيع دولة ديمقراطية تتوفر فيها حرية التدفق الاخباري ان تخوض حربا بنجاح دون فرض رقابة على الاخبار». وقال دين راسك وزير الخارجية الأميركية اثناء الحرب: «اذا اضطررنا لخوض حرب مماثلة في المستقبل فانه في هذه الحالة عندما يجيز الكونغرس قرار الدخول في الحرب فان عليه ان يخاطب مسألة الرقابة الاخبارية في الوقت نفسه». لكن كيف توصل دونالد رامسفيلد الى استخلاصاته من هذه الملاحظات التاريخية؟