الثلاثاء 6 صفر 1424 هـ الموافق 8 ابريل 2003 على مدار المراحل التي مرت بها الأزمة العراقية، أسرفت الادارة الاميركية في عرض بضاعتها المتعلقة بسياسة القوة، لكنها أخفقت، في تغليف هذه البضاعة بقوة السياسة، ولم تتمكن من تسويقها قانونيا أو أخلاقيا، لذا، باءت تجارتها بخسائر جسيمة لدى السواد الأعظم من مكونات المجتمع الدولي بأطره الرسمية والشعبية. واذا أعرضنا عن القلة القليلة من المداهنين والانتهازيين، الراغبين في الانضواء تحت عباءة واشنطن، طمعا في مكسب ما أو خوفا وتقية من غضبها، فلن نجد مسوغا للحديث الاميركي المكرور والممل عن «تحالف دولي ضد العراق»، فالقوى الدولية العاطفة على السياسة الاميركية العراقية، من حيث الرؤية والسلوك، لا تمنح في عدديتها صدقية لمفهوم «التحالف الدولي». ولا تزيد الدول المشاركة بالفعل في «الحرب على العراق» مع الولايات المتحدة عن دول معروفة باستتباعها لواشنطن (بريطانيا، العظمى سابقا)! وليس سرا أن عواصم هؤلاء المتعاطفين المحدودين، تتحرك في سياستها على وجلٍ واستحياء وبوحي من نخبة حاكمة آثرت العزلة عن إرادات شعوبها. هذا بالطبع باستثناء تل أبيب التي يمثل حماسها للحرب حالة خاصة من حيث الدوافع والأهداف. في سياق الحسابات الحقيقية لمن هم مع الحملة الاميركية العراقية ومن هم ضدها، لنا أن نلاحظ كيف أدى استخفاف الادارة الاميركية بمصالح وأدوار قوى دولية مهمة، معنية بأيلولة الأزمة العراقية وتداعياتها الشرق أوسطية والدولية، الى الخصم من الرصيد الذي تراكم لواشنطن لدى هذه القوى غداة أحداث الحادي عشر من سبتمبر. لقد بدد الاستقواء الاميركي صورة «اميركا ضحية الارهاب الأعمى»، وأعاد الى الأذهان صورة اميركا الطغيانية التي تستحق العقاب، والسياسة الاميركية التي تفكر بعضلاتها على نموذج راعي البقر الذي يعجل بتحسس مسدسه قبل أن يُعمِلَ عقله. والشاهد أن السياسة الاميركية العراقية، بمعادلاتها ومقارباتها غير السوية، التي هرولت بها الى حرب باطشة بتحرق وشوق مثيرين للسخط، أحدثت صدوعا في معظم مكونات النظام الدولي. ففي طريقها الى بغداد سخرت هذه السياسة من قوانين وأعراف وقيم مستقرة، اشتقت على مدار مئات السنين. وهزأت بأحلاف وتنظيمات سياسية وعسكرية، واتهمت نظم حكم راسخة بالحرف والتقادم، وألقت ظهريا بالشرعية الدولية والرأي العام العالمي، وهي ردفت ذلك كله بخطاب دعائي اعلامي سياسي أخرق متهافت، يكاد يثير التقيؤ لشدة ما يحتويه من كذب وبهتان حول أهداف الحرب وتداعياتها بل ومساراتها في الميدان. لذلك كله، فإن النخبة الحاكمة في واشنطن - ولندن على الأرجح - تمثل خطرا حقيقيا على السلم والأمن الدوليين. كيف يمكن التشكيك في هذا التوقع، ونحن بصدد قيادات تضطلع بحرب ضروس على دولة ونظام في أشد مناطق العالم حساسية وقلقا، بدون أن تدري ما الذي ستفعله بالضبط في اليوم التالي للحرب؟! وأكثر من ذلك مدعاة للخوف من سلوك هكذا قيادات، التأكد الآن من أنها ارتكبت أخطاء جسيمة في التعرف على ميدان المواجهة، حتى راحت تدير حربها يوما بيوم وكيفما اتفق.! الحمق والغباء إذاً صفة ملازمة لكل من القادة السياسيين والعسكريين في واشنطن (ولندن). وإذا عطفنا ظاهرة كهذه على تحكم هؤلاء القادة في ترسانات مسلحة جبارة فإن الهواجس من امتداد خطر الحرب العدوانية الدائرة الى آفاق يصعب تحديدها تبدو مبررة تماما، وهذا ما توحي به موسكو مثلا. وبين ما ينتمي للتخطيط المعيب لهذه الحرب أن القائمين بها استخفوا بالمعارضة أو الممانعة التي أبدتها لهم أطراف وقوى دولية لا يستهين عاقل بوزنها الدولي. ولو كان دعاة الحرب أبعد نظرا وأكثر حكمة وأقل غرورا لساقتهم هذه الممانعة الصلبة الى اعادة الحسابات، إن لم يكن لتغيير مخططاتهم فلمراجعتها وتعديلها للتكيف مع المستجدات والمعطيات الدولية المحيطة. لكن واشنطن المحفوزة بسياسة القوة، راهنت على طاقتها العسكرية، وجعلت من سقوط النظام العراقي أمرا مقضيا، ثم أنها لم تشغل بالها كثيرا بالممانعين على فرض أنهم إنما يودون اقتسام «الغنيمة العراقية» معها، وأن لديها متسعا من الوقت كي تحدد بعد الحرب التي ستكسبها بسهولة، شكل السلم وخرائط المستقبل عراقيا وشرق أوسطيا ودوليا! في هذا التصور، غابت عن واشنطن أشياء كثيرة منها بلا حصر: ان سواد الشعب العراقي بمختلف قطاعاته قد ينظر الى انتشارها على ترابه الوطني كوجود استعماري يستدعي المقاومة، على اعتبار أن التناقض مع المستعمر تناقض أساسي، له الأولوية على ما عداه، بما في ذلك الخصومة مع النظام بالنسبة للبعض. ان أجنحة المعارضة العراقية قد انقطعت منذ عقود عن مجريات الحالة العراقية من الداخل، بما يقتضي الحذر من تقديراتها ووشاياتها حول حدود العلاقة بين الشعب والنظام، فضلا عن القوة والطاقة المتوفرة لكل من الشعب والنظام على الصعيد الميداني. ان مشهد المشرق العربي وهو مطوق بكل معنى الكلمة باحتلالين (بعد زعم أن العراق سيقع عاجلا في قبضة الحملة العسكرية)، اسرائيلي في فلسطين وأميركي بريطاني في العراق بينهما تحالف جرب العرب ويلاته مطولا، يمكن أن يستثير الحمية القومية العربية للمقاومة. وأن لهذه الدائرة القومية ظهيرا حضاريا اسلاميا واسعا، قد يشاركها هذه المقاومة، لاسيما وأن مفهوم صدام الحضارات مازال رطبا في الأفق العربي الاسلامي. ان القوى الدولية الممانعة للحرب، الرافضة لشرعيتها، لديها ما تعبر به عن معارضة الاستقواء الاميركي عمليا، طالما أن المعاكسة النظرية لم تجد فتيلا. وأنه من غير المعقول أن تقف هذه القوى مكتوفة وهي ترى واشنطن تقلب حقائق مستقرة في العلاقات الدولية رأسا على عقب، بما يحط من مكانتهم وينتهك مصالحهم. هذا غيض من فيض ما فات على إدارتي الحرب في واشنطن ولندن وتوابعهما الأقل شأنا، وبصفة عامة، فإن مقام الحرب العدوانية الجارية التي لا يعلم أحد مستقرها ومستودعها، يتسع لتساؤلات وحوارات حول سيناريوهات أخرى خلافا لما تم تداوله أميركيا. ونحسب أن الفرق الناجية من وطأة المنهجية الأميركية، المبتسرة والمعيبة يقينا، تزداد عددا يوما بعد يوم. وهؤلاء هم الذين يقع عليهم عبء العمل على تدارك أخطاء قيادات دولية خطرة وغير مسئولة. ـ كاتب وأكاديمي فلسطيني ـ القاهرة