الثلاثاء 6 صفر 1424 هـ الموافق 8 ابريل 2003 على مدار خمسة أيام وفي الريف البريطاني بعيدا عن المدينة، نظمت وزارة الخارجية البريطانية لقاء لعدد من المتخصصين من دول مختلفة عربية وأوروبية وأميركية، من اجل البحث في موضوع واحد هو «الاصلاح في البلاد العربية» والفروع التي نوقشت في هذا اللقاء هي الاصلاح الاقتصادي والسياسي والاجتماعي. في مثل هذه اللقاءات تتعدد بالضرورة الآراء، وتختلف الرؤى، وكان ذلك هو المطلوب حتى تتضح الصورة على اختلاف ألوانها وظلالها، وقد قدمت في هذا اللقاء مداخلات مختلفة من أهل الرأي والخبرة، من بينها مداخلات فردية معتمدة على خبرة طويلة سابقة لأصحابها. وبعضها قريبة الى الموقف الرسمي، وأطلقت الأخيرة كبالونات اختبار لجس النبض حولها وقياس مدى القبول والمواءمة. التوقيت والمكان مهمان، فالتوقيت هو ابان خوض الحرب في العراق وتصاعد غبار المعركة مع عدم وضوح نتائجها النهائية، والمكان هو احتضان مؤسسة بحثية تابعة للخارجية البريطانية مداولات هذا اللقاء، وبريطانيا بلاد قريبة من العرب، زادها قربا تطور الاتصالات والمواصلات، ولها خبرة في شئونهم تفوق الخبرة الأميركية، صاحبة الدروع الفولاذية والقبضة الحديدية، وفي نفس الوقت قليلة الخبرة بشئون وشجون الشرق الأوسط التي وجدت نفسها مطالبة بان تتعامل مع ثوابته القليلة ومتغيراته السريعة. قراءة شخصية قراءتي، وهي قراءة شخصية، للأفكار الرئيسة التي ظهرت في هذا اللقاء هي الآتي: أولا أن الحروب، كل الحروب غالبا ما تأتي بتغيرات واسعة في المنطقة التي خيضت فيها تلك الحروب، وقد كان ذلك صحيحا في كل الحروب الأوروبية على مدار القرن الثامن عشر والتاسع عشر والقرن العشرين، فلقد كانت عصبة الأمم هي من نتاج الحرب العالمية الأولى في القرن الماضي، والأمم المتحدة نتاج الحرب العالمية الثانية، وهما جميعا لاصلاح العلاقات الدولية، كما أن تحرير العبيد في اميركا كان نتاج الحرب الأهلية، وكذلك الاصلاحات السياسية والاجتماعية في بريطانيا، كانت نتاج مباشر للحربين العالميتين الأولى والثانية. ولم تكن البلاد العربية بمنأى عن هذا المسار التاريخي الذي يكاد ألاّ يستثني أحدا ، فخسارة العرب في حرب فلسطين سنة 1948 كان لها نتائجها المعروفة التي أحدثت تغيرات جذرية في المنطقة، وجاءت بأنظمة حكم جديدة، كما كان لخسارة حرب 1967 نتائج على التركيبة الاجتماعية والسياسية لمعظم البلاد العربية، فتراجع الفكر القومي ليظهر الفكر الديني السياسي، كما أن الحرب العراقية الايرانية نتج عنها مجموعة متغيرات لعل احتلال الكويت كان واحدة منها. والنتيجة النهائية في ذلك تقول ان الحروب تأتي بنتائجها الجذرية، تخلف التبعات ويبقي بعد ذلك عمق النتائج واتساع مجالها، فمنها ما يجر ذيله ويغور في النسيج الاقتصادي السياسي لفترة طويلة، ومنها ما يضبط الى حين، اذا قرئت النتائج قراءة صحيحة، وحلت المشكلات المتسببة لهذه القضايا من جذورها، أما بعض هذه التبعات فان أهملت فانها تتفجر بشكل عشوائي، تلك هي الحقيقة الأولى. ثانيا، مبني على الحقيقة الأولى حقيقة ثانية هي أن الغرب اليوم «بريطانيا وأوربا والولايات المتحدة» بدرجات مختلفة، ولكن بجوهر واحد، قد وصلت الى قناعة تجاه الشرق الأوسط، تبناها ساستها. هذه القناعة ذات فرعين أساسيين، وهما أولا أن تدفقا غير معوق للنفط للسوق العالمي، هو ضرورة حياتية للغرب، وثانيا هو الحفاظ على الأمن لشعوب تلك المنطقة، وقد تبين لمتخذي القرار في الغرب أن الأمن لن يستتب عندهم الا اذا استتب لدى جيرانهم في البلاد العربية، وهي جيرة قربتها وسائل الاتصال والأعلام الى درجة غير مسبوقة تاريخيا، وان هذا الأمن نابع من توازن معقول في الشئون الداخلية لتلك البلدان، حيث ان اضطراب الأمن عندهم كما يرونه، يأتي احد أسبابه الرئيسية نتيجة الفوارق بين الحاكم والمحكوم في تلك البلاد، أي ما تسميه الأدبيات الغربية غياب المشاركة الحقيقية وندرة حكم المؤسسات في البلاد العربية. وبالتالي لم تعد شئون العرب الداخلية داخلية بحتة، خاصة اذا اضطربت دون تقنين، وانفلتت دون ضبط، واذا ضاق الأمر على قطاعات واسعة من جماهير العرب اقتصاديا وسياسيا فان الغرب يدفع ثمنا باهظا جراء هذا الضيق وذاك الاضطراب، هذا الثمن هو أولا هجرة كثيفة من الفارين بسبب الضنك الاقتصادي أو الضيق السياسي الى بلدان الغرب، مع ما تمثله هذه الهجرة من احتمالات الضغط الاقتصادي والاضطراب الأمني لدى هذه المجتمعات، وثانيا قد يتحمل الغرب بسبب غضب تلك الفئات المحرومة من المشاركة، عمليات تخلخل الأمن عنده من جذوره، كما حدث في الحادي عشر من سبتمبر 2001، وقد تحث أشكال أخرى اكبر مما تم مع تقدم التقنية وسرعة انتقالها. ثالثا : والأمر كذلك فهناك مصلحة مشتركة وعاجلة للاصلاح الذي يجب أن يأخذ طريقة في قنوات السياسة في البلاد العربية لتقريب الهوة بين «الحاكم والمحكوم»، وهو أمر وان كان مقاوما من البعض فقد حان وقته الآن، وهو يشبه الاصلاح المالي الذي فرضه الغرب دون حرج شديد بعد الحادي عشر من سبتمبر 2001. رابعا: أما قنوات الاصلاح فهي أولا سياسية، فالأوضاع السياسية في بلاد عربية عديدة تحتاج اما الى انشاء مؤسسات سياسية حديثة، تتقاسم السلطات مع الفصل بينها، أو الى اعادة نظر في القائم منها وتقويمها لتحقيق المواءمة بين المصالح المختلفة، وان تُمكن هذه المؤسسات من وضع القوانين الحديثة، خاصة تلك المتعلقة بحقوق الانسان ومشاركته في السلطة والثروة، وتنظيم قواعد المعاملات، وتثبيت عمل المؤسسات، والحد من أشكال الفساد التي بدورها تحقن هذه المجتمعات بوافر من وقود الرفض والممانعة. خامسا: أن تكون هذه الاصلاحات موجهة ومنصبة لمصلحة الجماعات الأكبر حجما والأقل قدرة على التنافس، كما يصبح المنفذون عرضة للمساءلة القانونية والمؤسسية. الأمر اذن يبدو من وجهة النظر الغربية جديا وحاسما للنظر فيه الآن والدعوة اليه، فهذه المجتمعات ليست على استعداد أن تأتي بجيوشها الجرارة للمنطقة كل عشر سنوات أو تزيد لتطفئ حرائق تسبب في اشعالها آخرون بلعبهم بالنار، أو بسبب تجاهل مطلق لمتطلبات شعوب شبت عن الطوق، ووفرت لها العولمة سبل الاتصال والمعرفة من جهة، وحررتها من النظر الى تجارب القريب الأسوأ، لتتجه الى البعيد الأفضل، ومقارنة الاثنين مقارنة واقعية واستخلاص الدروس. بين خيارين بعد هذا العرض السريع لما نوقش في ذلك اللقاء الموسع، اذا أضفنا اليه العدد الوافر من البيانات والتصريحات العلنية التي تبناها الساسة الغربيون، والمناقشات المستفيضة المطروحة في الصحف والدراسات الغربية التي تحثنا للنظر بجدية الى المستقبل العربي، فان أمام العرب، بدرجات مختلفة وفي دول مختلفة، الخيار اما أن ينهضوا باصلاح ربما يكون له ثمنه الآن، ولكنه ثمن لن يكون كبيرا اذا قارنا ما سوف يمكن أن يدفع لاحقا من أثمان في حالة التأخير والتسويف والبحث عن حجج لها، أو أن يخاطروا ببقاء الحال على ما هو عليه وفتح جبهات مع الغرب، الذي لم تتأخر مؤسساته الرسمية والأهلية والاعلامية أيضا عن نبش كل السوءات وعرضها، وتشجيع كل الأصوات التي تنادي بالتغيير واحتضانها. لقد فات المنطقة أن تستفيد من دروس ما حدث في ايران، وما حدث ليس بقليل، صرفت فيه الكثير من الطاقة ومن الدم أيضا، ثم فاتها أن تستفيد من دروس واضحة مما حصل في سنة 1990، من احتلال وتحرير للكويت ودروسها العميقة، فاعتقدت أن الأمر لن يطول لعودة الأمور الى ما كانت عليه. وأما الحرب القائمة الآن في العراق فهي حرب حركت ملايين من البشر في الغرب الى الشوارع وطرحت المشكلات العربية على سطح الأحداث والمناقشات، وأريقت على جوانبها الكثير من الأحبار والدم أيضا، كما كلفت خزائن الغرب أموالا طائلة. كل هذا جعل ماكينة الغرب السياسية والاقتصادية والاعلامية تتحرك لاستطلاع المستقبل والعمل على تشكيله. ونحن الآن في مفترق الطرق، كيف يجري الاصلاح بعد أن تسكت المدافع، أبيدنا وهذا أهون، أم بيد غيرنا يجرى التغيير والاصلاح! وهم يبحثون الآن في تفاصيله، ذلك هو السؤال؟ ـ كاتب كويتيـ