الاثنين 5 صفر 1424 هـ الموافق 7 ابريل 2003 بلاشك فإن الجميع في كل مكان صاروا أسرى الخبر والصورة المتلفزة التي تتنافس الفضائيات في نقلها للجماهير المترقبة لآخر أخبار الحرب وحقائق ما يجري هناك على أرض العراق الجريح، لقد اختلطت الأقوال والتصريحات ما بين الجانبين الأميركي في مركز القيادة العسكرية الوسطى في قاعدة السيلية في قطر حيث يمطرنا الجنرال تومي فرانكس ومساعدوه يومياً بوابل من الانتصارات التي ما أن يظهر الجنرال الصحاف حتى يباشر بتكذيبها من الألف إلى الياء دون ان ينسى ولو ليوم واحد اندفاعه المحموم للنيل من (العلوج) الأميركان، حسب تعبيره الشهير والذي أصبح أكثر شهرة من الصحاف نفسه. إن الحرب النفسية التي يتبارى فيها أركان النظام العراقي مع قادة القوات الغازية سلاح طبيعي في المعركة التي يسميها صدام بمعركة الحواسم فيما تصر أميركا على انها معركة تحرير العراقيين من نظام صدام، في الوقت الذي يسميها أهل العراق المبتلون والصامدون معركة الكرامة والوطن، في ذلك كله يبقى الملايين في انتظار ساعة الحقيقة التي لن تكون على لسان الصحاف يقيناً ولا على لسان جنرالات الجيوش الأميركية والبريطانية، الحقيقة ستكشف نفسها بوسائلها، وساعتها ستبدأ مرحلة الحسابات القاسية والخائبة معاً!! فأي حسابات مهما كانت لن تعفي أحداً ولن تبقي أحداً بعيداً عن الشبهات، ولكنها لن تغير من الحقائق التي ستتكرس على أرض الواقع والتي لن تقل كارثية عن نتائج خيانات وهزيمة حرب 1948 المخزية!! ما زال الصحاف مصراً على انتصاراته من على سروج الميكروفونات العربية، وما زال الرجل نجم الفضائيات غير المرغوب فيه من قبل الأنظمة وغير المستغنى عن قاموسه الفريد في كل الجلسات واللقاءات الشعبية العربية حتى صار رافداً للنكتة السياسية، كما هي حالة العرب في أحلك أيامهم عندما يقاومون بطريقة الحيلة والنكتة، بينما جيوش الاحتلال على مشارف بغداد، ولا ندري كم سيطول بنا زمن الأمل قبل أن يعلن الأميركان بيانهم العسكري الأول من على ظهور الدبابات بأن العراق قد أصبح أولى مستعمراتهم في العالم العربي!! تحمل الأخبار الآتية من دهاليز مكاتب الحكومتين الأميركية والبريطانية ان رفاق السلاح قد ازداد صراعهم في هذه الأيام التي تقترب فيها قواتهم من العاصمة بغداد، وفي الوقت الذي تجاهلت فيه بريطانيا بلير شرعية الأمم المتحدة وقوانينها، تابعة لأميركا، ضاربة عرض الحائط بكل شيء، ها هي اليوم تتذكر الأمم المتحدة ثانية وهي ترى غدر الأميركان واضحاً وصريحاً، فهم قد ألغوا الانجليز من حسابات وغنائم النصر الذي يمنون أنفسهم به سريعاً، حينما أعلنوا عن خططهم لعراق ما بعد صدام: جنرال أميركي متقاعد (جاي غارنر) سيكون الحاكم المدني، تومي فرانكس الحاكم العسكري، و13 وزيراً أميركياً يساعدهم 4 مستشارين عراقيين من المعارضة!! لا وجود للحلفاء حينما يحين التهام قالب الحلوى! وهذا هو سر الاصرار البريطاني اليومي على ان العراق سيحكمه العراقيون وبأن قوات (التحرير) ستغادر بانتهاء الحرب، الأمر الذي لا توافق عليه واشنطن جملة وتفصيلا، وما ذهب كولن باول ليفهمه للأوروبيين في بروكسل منذ يومين، ما ينذر بعاصفة آتية بين الحلفاء. ووفق ثقافة الاستعجال التي خاض بها الأميركيون حربهم القذرة ضد العراق فإنهم يخططون منذ الآن لانشاء سفارة في أحد الفنادق واعلان حكومة مقرها في البصرة مؤقتاً، أما المندوب السامي الأميركي (غارنر) هو جاهز ومتواجد كما تذكر التقارير الاخبارية في الكويت، وعلى الانجليز أن يفهموا بأنهم عاشوا زمنهم الاستعماري بما فيه الكفاية وبأن الزمن الآن هو للاستعمار الاميركي القادم بقوة للمنطقة كي يخلخلها من جذورها، ويعيد صياغة زمن آخر لها بمقاييسه هو، وكما يريد غلاة التطرف المسيحي الصهيوني في البيت الأبيض أن تكون عليه السياسة في المنطقة، والتعليم والثقافة والاقتصاد والعلاقات مع (اسرائيل)!! الأزمنة السيئة لم تأت بعد، ما نشهده مقدمة الملهاة على الطريقة اليونانية، ففي الأيام أو الشهور المقبلة سيكشف معسكر اليمين الأميركي عن وجهته الثانية بعد العراق، والجميع يعلم إلى أين ستتوجه القوات الأميركية. في مقبل الأيام سيغرق الأميركيون العالم بالنفط العراقي لتعويض تكاليف الحرب ولأغراض الإعمار، سيتجاوزون في انتاجه حاجز الخمسة وربما السبعة ملايين برميل يومياً، وستشهد الأسعار انهيارات مذهلة قد تهوي بسعر البرميل الى 10 دولارات فقط! ولنتذكر مقولة عراب الخارجية الأميركية اليهودي هنري كيسنجر حين أعلن عام 1973 بعد أزمة حظر النفط: «سنجعل العرب يشربون نفطهم مثل الماء»! ستفقد دول الثقل السياسي ثقلها لأن أميركا لا تريد ثقلاً ولا وزناً لأحد، ستنتهي أساطير لتبدأ أسطورة واحدة سنعيد اكتشافها بعد فوات الأوان!