الاثنين 5 صفر 1424 هـ الموافق 7 ابريل 2003 عندما شرع هنري كيسنجر .. وزير خارجية أميركا الأسبق في التعامل مع مشكلة الشرق الأوسط .. كان أبرز شخصيتين على مسرح أحداث تلك الفترة ـ النصف الأول من سبعينيات القرن الماضي ـ هما أنور السادات ومناحيم بيجين .. يومها نقلوا عن كيسنجر قوله: - لقد درست السياسة وعلم التاريخ .. وكنت أحسب أن التاريخ إنما تحركه عوامل موضوعية بعيدة كل البعد عن تكوين الشخصيات وذوات الأفراد ـ لكنني بعد أن تعاملت مع كل من السادات ومناحيم ـ بدأت أؤمن حقا بأن للصفحات الشخصية دورها الكبير في تحريك عجلة التاريخ. كان كيسنجر ـ كما لعلك تعلم ـ قد درس تاريخ أوروبا السياسي بعد هزيمة نابليون بونابرت في عام 1815 .. ورغم أنه هاجر صبيا مع عائلته من مسقط رأسه في ألمانيا ـ إلا أنه ظل على ما يبدو ـ مشدودا للتاريخ والثقافة في ألمانيا وفي وسط أوروبا بشكل عام .. وعندما قرر أن يكتب أطروحته لنيل الدكتوراه، اختار لموضوعها شخصية السياسي النمساوي الأشهر «كليمنس مترنيخ» الذي ولد عام 1773 بعد أربع سنوات على مولد غريمه اللدود نابليون ورحل عن الدنيا عام 1859 وهي السنة التي شهدت هبوب عاصفة فكرية وفلسفية بل وإيمانية هوجاء اجتاحت انجلترا وأوروبا والدنيا كلها بعد أن نشر تشارلز دارون كتابه الشهير بعنوان «أصل الأنواع» حول نشأة الكائن البشري على ظهر الأرض. وربما كان مترنيخ وزير خارجية امبراطورية الهابسبورغ في النمسا وهنغاريا هو الشخصية المحورية التي ظلت مناط اعجاب هنري كيسنجر بعد أن أصبح وزير خارجية أميركا في حقبة رئيسها الأسبق ريتشارد نيكسون حيث دخل الوزارة مسلحا بلقب دكتور في علم السياسة في جامعة هارفارد ومزودا بموهبة المخاتلة والتحايل والخداع واللعب على حبال شتى .. والقربى بداهة من اللوبي الصهيوني بحكم انتمائه اليهودي، فضلا عن قدرة على صك الشعارات والعنوانات من قبيل الخطوة ـ خطوة .. وسياسة المكوك وتسخين المشاكل توطئة لحلها. وللعلم .. فقد كان بطله القديم .. مترنيخ نموذجا في الانتهازية حيث بدأ حياته بالزواج من إحدى سليلات الأسر الارستقراطية مما جلب له ثروة طائلة وبلغت حياته ذروتها في الفترة التي أعقبت نهاية بونابرت عام 1815 وحتى عام 1848 حين اندلعت ثورة في النمسا خرج معالي الوزير الأكبر على أثرها موليا الأدبار خوفا من انتقام الثوار وخلال سنوات الجيل الكامل الفاصلة بين التاريخين 33 سنة وقد اطلقوا عليها اسم «عصر مترنيخ» كان الوزير النمساوي هو الشخصية المهيمنة على مقاليد السياسة والحكم في أوروبا مناديا بأهمية الحفاظ على الأوضاع الراهنة بغير تغيير أو تبديل (ستاتيكو كما يقول مصطلح «علم السياسة») وبتكريس وتأكيد سلطة الأباطرة والعواهل في ممالك أوروبا ولو باستخدام أساليب القمع والبطش والتجسس ورقابة المطبوعات والقمع المسلح للمعارضين. لسنا ندري هل كان كيسنجر يعلم هذه الدروس كلها أو بعضها لطلابه في جامعة هارفارد .. لكن الذي ندريه ـ بيقين ـ أنه حين وفد على منطقة الشرق الأوسط في أعقاب حرب 1973 صادف اثنين من الشخصيات المفرطة في الشعور بالذات وهما السادات المصري ـ العربي، وبيجين .. الاسرائيلي ـ الصهيوني. كان السادات شخصية فريدة، تراوده مشاعر العظمة والدور التاريخي لدرجة أن صرح يوما لكاتب كبير هو المرحوم أحمد بهاء الدين قائلا: أنا وعبدالناصر آخر فراعنة مصر وكان يقصد بالفرعون معنى عظمة الدور ومجد السلطان (ويعلم الله أن عبدالناصر لم يتصور نفسه يوما في أهاب ملك مصري قديم .. ولا حديث بل كان يعد نفسه، كما صرح يوما، تعبيرا عن الأمة العربية في مرحلة دقيقة حاسمة من مراحل نضالها). وكان مناحيم بيجين يعد نفسه رجل الأقدار التاريخي .. نبيا مدججا بالسلاح من أنبياء بني اسرائيل (وعلم الله أن كان إرهابيا حتى النخاع .. سفاحا بكل معنى ومؤهلات سفاك الدماء ـ يشهد بهذا تاريخه الأسود في مذابح الفلسطينيين في غمار النكبة الأولى في قبية وفي دير ياسين). وبين الرجلين ـ أنور السادات ومناحيم ـ ولكل منهما دور «تاريخي» يندب نفسه لكي يرتدي ثيابه ويؤديه ـ ظل كيسنجر يتحرك .. يداري .. ينافق .. يمدح ويرائي الى أن مهد الطريق أمام زيارة السادات الصاعقة إياها لاسرائيل .. يومها وقفت زعيمة اسرائيل العجوز ـ جولدا مائير ـ تعلن على مشهد لقاء السادات وبيجين قائلة: - ليس صحيحا أن الرجلين يستحقان ـ كما قيل ـ جائزة نوبل في جهود السلام .. إنهما يستحقان جائزة الأوسكار في فن .. التمثيل. مع ذلك فقد كان من حظ الرجلين أن نال كل منهما نصف جائزة نوبل ولكنهما ظلا موضع تقدير من جانب كيسنجر ومن لف لفَّه في ظل مقولة أن التاريخ يتأثر عميقا بنوعية شخصيات القادة وذوات الزعماء. وربما تكون المقولة صائبة الى حد ليس بالقليل ولولا أن كان نيكسون شخصية قلقة متوجسة ولولا أن هذه الشخصية وجدت نفسها محاصرة في أوحال فضيحة ووتر جيت لما استطاع كيسنجر أن يصول ويجول في الشرقين الأوسط والأقصى ويسجل اسمه بوصفه أهم وزير خارجية للولايات المتحدة في القرن العشرين. ولولا أن بيل كلينتون كان ـ على اتساع أفقه واستنارة ثقافته وتنوع مواهبه ـ رجلا ضعيفا أمام اغراءات النزوة ـ لما أمكن لخصومه السياسيين أن ينالوا منه في فضيحة «مونيكا» وقد تركت الفضيحة ذيولها السلبية على سمعة رياسته وعلى جدارة حزبه الديمقراطي وكان أن انتقلت مقاليد الأمور ـ ولو على خيط رفيع بل وربما مشبوه ـ الى معسكر الجمهوريين. ولولا أن جورج دبليو بوش رجل يدنو بقدراته عن مستوى زعامة دولة كبرى لما أصبحت رياسته الراهنة مطية لأصحاب الأهواء والمصالح والأطماع .. مستشارة أمن قومي تملي عليه ما يفكر فيه .. وزير دفاع تراوده أحلام إمبراطورية يود تحقيقها ولو على جماجم البشر وفي لجج الدماء. ومن عجب أن جورج بوش كان يعرف كل هذه الجوانب من القصور في تكوينه وفي نشأته وشخصيته صحب أباه يوما الى زيارة الملكة البريطانية اليزابيث وكان الأب أيامها نائبا للرئيس الأمريكي ريجان .. ما أن سلم على الملكة في البهو الرئيسي في قصر باكنجهام حتى بادرها قائلا: يسعدني ـ صاحبة الجلالة ـ أن أقدم اليك نفسي .. أنا الخروف الأسود في عائلة بوش. لا ندري ماذا كان رد فعل اليزابيث الثانية .. هل ابتسمت أم لم تشعر «بأي تسلية» كما يقول التعبير المهذب في قصر بكنجهام؟! الذي ندريه .. ويدريه العالم أن الخروف الأسود ـ بمعنى الفتى المتمرد وربما الفرد المنبوذ ـ أصبح في أمس قريب رئيسا للولايات المتحدة .. وأنه أصدر في أمس أقرب حالك السواد أمرا بشن حرب ظالمة على شعب ظل يعيش منذ آلاف السنين في بلد عريق اسمه .. العراق