الاثنين 5 صفر 1424 هـ الموافق 7 ابريل 2003 أغرى اغتيال الحد المتواضع من التضامن العربي بنصل حرب الخليج الثانية (1990 - 1991) كتابا وباحثين، عربا وأجانب، على التبشير بانتهاء القومية العربية، وطالبونا بتوديع شعار «الوحدة العربية»، مرة والى الأبد. إلى أن وقع العدوان الأميركي ـ البريطاني الأخير على العراق، فانتفض الشارع العربي، من الخليج الى المحيط، حتى بدا وكأن المارد خرج من القمقم، ليؤكد وحدة مابين الخليج والمحيط، وليفسر مابدا انتهاء للقومية العربية بأنه مجرد انقطاع في حبل الهدنة التي كانت معقودة بين الأنظمة العربية وبعضها البعض، في غياب من شعوب الأمة العربية. في هذا السياق ظهرت العلاقة الحميمة بين قضيتي فلسطين والعراق، مضافا اليه السياق الامبريالي ـ الصهيوني. المحددات أولا في السياق الأول ثمة القضية الواحدة، والأمة الواحدة، والعدو الواحد. خاصة مع انتقال العلاقة بين الصهيونية والامبريالية، من كون الأول مجرد مخلب للثاني، الى شريك صغير، الى الاندماج الكامل، فانمسحت الحدود بينهما، دون أن ننزلق الى الحوار العقيم حول أيهما الذي يقود الآخر. حتى أن الكيان الصهيوني يتلقى معونات مالية من الادارة الأميركية تفوق في حجمها، ماتتلقاه أي ولاية أميركية من الاتحاد الأميركي. ناهيك عن التجليات السياسية والعسكرية، والخلفيات التاريخية المتمثلة في تشابه المجتمع الأميركي مع المجتمع الصهيوني، في اغتصاب الأرض، واقتلاع أهلها، وانتزاعهم من أرضهم، واجلائهم عنها، قبل احلال أغراب مكانهم. ناهيك عن المصلحة الكبيرة المعروفة للاحتكارات الأميركية في بقاء الكيان الصهيوني منغرسا في الوطن العربي، لضمان تخلف هذا الوطن، وتبعثره، وحراسة المصالح الأميركية في هذا الوطن، وحماية خطوط المواصلات بين الشرق والغرب. ما جعل تلك الاحتكارات تنتحي بفرقة من الكنيسة المسيحية (البروتستانتية) لصالح العلاقة الحميمية باليهودية، ومن ثم الصهيونية. ثانيا الا يؤدي ضرب العراق الى توفير مزيد من الضمانات لأمن الكيان الصهيوني، باغتيال القوة العسكرية العراقية؟ فيما يفقد الشعب الفلسطيني مؤازرة شقيق حقيقي، لايزال الأكثر قوة وصلابة في المجالين السياسي والعسكري، على حد سواء. ثالثا العراق هو الجناح الأيمن للمشروع الامبريالي ـ الصهيوني (اسرائيل الكبرى) وباحتلال العراق من قبل القوات الأميركية ـ البريطانية يتم الانتهاء من تأمين الجناح الأيمن لاسرائيل الكبرى، في الفرات. تتدحرج بعده المرحلة الامبريالية ـ الصهيونية الى النيل، حتى يكتمل المشروع الصهيونيا اياه «من النيل الى الفرات» ولا مبالغة في هذا القول، اذ يكفي العلم بأن مؤسسة «رانت» الأميركية المعروفة قد تقدمت بتقرير الى صقور الادارة الأميركية، كانوا عهدوا اليها به، خلصت فيه الى أن العراق مجرد هدف تكتيكي، بينما السعودية الهدف الاستراتيجي، وتبقى مصر الهدية الكبرى. رابعا العراق منطقة نموذجية لتوطين اللاجئين الفلسطينيين، لبعد العراق عن خطوط التماس مع فلسطين، بما ينأى بالفلسطينيين عن وطنهم المحتل، ويؤمن حدود اسرائيل من الهجمات الفلسطينية العسكرية. لذا تقدم الداعية الصهيوني الروسي الجنسية، جوشوا بوجفنيل، إلى المؤتمر الصهيوني العاشر (بازل 1911) بمشروع يرمي الى ترحيل ابناء الشعب الفلسطيني الى شمال سوريا والعراق وفي سنة 1930 ألح رئيس المنظمة الصهيونية العالمية حاييم وايزمن على حكومة لندن لتنفيذ مشروع بو جفينل ذاك. خامسا في السياق نفسه يقول رئيس الدائرة العربية في «الوكالة اليهودية» على مدى ثلاثينيات وأربعينيات القرن العشرين، الياهو ساسون ان الوصي على عرش العراق، عبدالاله، ورئيس وزراء العراق العتيد، نوري السعيد قد وصلا الى القدس فرارا من ثورة رشيد عالي الكيلاني في العراق (مايو آيار 1941) حيث التقيا ساسون، سرا، في المدينة المقدسة، وألحا عليه أن تحث القيادة الصهيونية حكومة لندن على الاسراع باسقاط ثورة الكيلاني الوطنية،مقابل تعهد عبدالاله والسعيد باستقبال مئات الآلاف من الفلسطينيين، بمجرد ان يعلن الصهاينة عن اقامة كيانهم في فلسطين. سادسا هل نتغاضى عن الضغوط الأميركية على بغداد، التي امتدت لأكثر من اثنتي عشرة سنة متصلة، من أجل قبولها ثلاثمائة ألف لاجئ فلسطيني، مجموعهم في لبنان. التجليات لذا كان طبيعيا أن تنعكس وحدة القضيتين في غير مجال، لعل أهمها. الترشيح للجنرال المتقاعد، جي غاردنر، المعروف بتعاطفه الشديد مع الصهيونية وكيانها، ترشيحه حاكما عاما للعراق في حال احتلال القوات الأميركية له. احتلال «اللوبي الصهيوني» في الولايات المتحدة أحد الاضلاع الثلاثة للتآمر العدواني على العراق، الى جانب «لوبي السلاح»، و«لوبي النفط» في الولايات المتحدة وهي اللوبيات الثلاثية التي اتخذت، مؤتلفة، قرار العدوان على العراق. اطلاع رئيس وزراء اسرائيل، آرييل شارون على ساعة صفر العدوان الاميركي ـ البريطاني، دونا عن كل حلفاء الولايات المتحدة الاميركية وأصدقائها. فيما ربط خط هاتفي ساخن بين بوش وشارون، منذ عشية هذا العدوان. اسهام القوات الاسرائيلية في العدوان على العراق، عبر قوات استطلاع وصلت مبكرا الى غرب العراق وشماله. ربما ليس من باب الصدفة أن تختار القوات الأميركية ـ نفس التكتيات التي سلكها شارون في هجوم قواته على لبنان، صيف 1982. في السياق نفسه فإن الوحدة 101 في «جيش الدفاع الاسرائيلي» التي ظل يقودها شارون، على مدى خمسينيات وستينيات القرن العشرين ونفذ بها مذابح بشعة ضد الشعب العربي في فلسطين، مثل: قبية، مخيم البروج، غزة، خانيونس، ورفح. و101 هو نفس رقم كتيبة الطيران الاميركي المشاركة في العدوان الراهن على العراق، ربما لأن الولايات المتحدة تتفاءل بشارون وجرائمه، وتحتذي بهما. ثم ألا يلفت النظر تكليف الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات. محمد عباس «أبومازن» بتشكيل الوزارة الفلسطينية، في نفس يوم بدء العدوان الأميركي على العراق (20/3)؟! تنفيذا لمطلب أميركي ـ اسرائيلي، بدأ منذ مطلع ديسمبر 2001. لعلنا، الآن، نفهم دلالة ما سبق للرمز الصهيوني ـ الأميركي الشهير، هنري كيسنجر أن أكده من أن على «اسرائيل المرور عبر بغداد». أما وزير خارجية الولايات المتحدة الاميركية الحالي، كولن باول، فلم يداري أو يواري، في خطابه أمام «ايباك» الصهيونية في الولايات المتحدة (30/3) حين أكد بأن الهجمة الاميركية البريطانية على العراق تضع ضمن أهدافها «رفع سيف العراق عن عنق اسرائيل». لعلنا نخلص من هذا كله إلى أن ساعة الصفر في اقامة «اسرائيل الكبرى»، قد أزفت، وكل الدول العربية على جدول عدوان الولايات المتحدة واسرائيل. مايضعنا أمام مسئوليتنا في ضرورة أن نتجهز لخوض حرب الشعب طويل الأمد، التي تتطلب أحزابا فاعلة، وقيادات سياسية وعسكرية جسورة، تقرأ واقعها جيدا فتبلور برامج صحيحة، وتنسج تحالفات محلية واقليمية، وعالمية سليمة، الى اقتصاد الحرب، واشاعة الحريات الديمقراطية. وبعد، فماذا يهمنا، بعد هذا كله، وقضيتنا عادلة؟! ـ كاتب فلسطيني ـ القاهرة