الاثنين 5 صفر 1424 هـ الموافق 7 ابريل 2003 فصائل المعارضة العراقية في الخارج تراهن على القوة الغازية الاميركية لتتولى نيابة عنها تدمير النظام الحاكم في العراق، وازالته من على وجه الوجود. لكن ليس هذا سوى احد وجوه فتنة كبرى تكشف فصولها حاضراً وماضياً كنتيجة للتدخل العسكري الاميركي في العراق. وهي فتنة تتلخص في كلمة واحدة: استعانة طرف مسلم بقوة اجنبية غير اسلامية، بل ومعادية للاسلام والمسلمين اجمعين للقضاء على طرف مسلم آخر. يقول المؤرخون انه منذ ان خرجت دولة العراق إلى حيز الوجود في اعقاب الحرب العالمية الاولى كان ولا يزال كيانا قابلا للصدام الداخلي لانه تكوّن من مجموعات سكانية متنافرة عرقيا ودينيا. ويقولون ان القوى الاوروبية الاستعمارية التي اعادت رسم خريطة العالم العربي بعد تصفية الامبراطورية العثمانية التركية حرصت من اجل بذر بذور فتنة كامنة، على ان تتطابق الانقسامات العرقية والدينية في الكيان العراقي مع التقسيمات الجغرافية قدر الامكان حتى تتكرس اسباب التنافر بين المجموعات، وبالفعل فإن الصدمات التي وقعت لاحقاً تدعم هذه الرؤية. انظر في الصورة العامة ببعدها الزماني الطويل: مجموعة ما تقاتل اخرى لاسباب دينية. واكراد العراق يثورون على الجميع ـ طائفتين وبعثيين وقوميين. والاتراك يقمعون الاكراد الاتراك. واكراد العراق يساعدون جيش تركيا في قمع اخوانهم في الجنوب الشرقي التركي. وينقلب الاتراك على الاكراد في العراق. والعراق الدولة تقاتل ايران الدولة. ولا تحتاج لعقلية استراتيجية عبقرية لتدرك ان الرابح الاول والاكبر على مدى الفصول الدموية الطويلة هو القوة الخارجية المتمثلة في الولايات المتحدة الاميركية. كل هذه الاطراف المتصارعة مسلمون. وكلهم متورطون في فتنة كبرى. وكلهم وقع في اثم استعداء غير المسلم على المسلم. عند أواخر عقد السبعينيات المنصرم تولت ثورة اسلامية السلطة في ايران كان على رأس اولوياتها الخارجية تحرير القدس. وعوضا عن ان يتجاوب معها النظام الحاكم في العراق ضد الوجود الاسرائيلي فإنه اختار ان يشن عليها حربا. ومنذ الوهلة الاولى رأت الولايات المتحدة في هذه الحرب بين قوتين اقليميتين مسلمتين في الشرق الاوسط فرصة استثمار سياسي لتدميرهما معا. ولمدى زمني معين ظلت ادارة رونالد ريجان تمد النظام العراقي بمعلومات استخباراتية دقيقة عن الاهداف والتحركات العسكرية داخل الاراضي الايرانية. ثم قام البيت الابيض بعد ذلك بامداد الايرانيين سراً بأسلحة وذخائر وقطع غيار للطائرات فيما عرف لاحقاً بفضيحة «ايران جيت». فقد كانت الاستراتيجية الاميركية المعتمدة آنذاك هي اطالة امد الحرب بما يؤدي الى انهاك الطرفين المتقاتلين المسلمين. وبالفعل انتهت الحرب بعد ثماني سنوات وقد تحول كل من العراق وايران الى اطلال دولة من فرط الانهيار الاقتصادي الذي خلفته الحرب. رغم ذلك لم تتعظ اي من الدولتين المسلمتين بتجربة الحرب وانفضاح الدور الاميركي في تأجيج الفتنة الدموية، فسياسة «الاحتواء المزدوج» التي تبنتها واشنطن بعد الحرب كاستهداف بالعداء المكشوف للدولتين معاً لم تحفز الزعامتين نحو تصالح يتطور الى تحالف ضد عدو مشترك لا يخفي عداءه ضد الاسلام والمسلمين اجمعين. وجاءت حرب الخليج الثانية في مطلع التسعينيات لتقدم فصلاً جديداً من الفتنة الكبرى. بالطبع كان التدخل العسكري الاميركي آنذاك لتحرير الكويت من الاحتلال العراقي تدخلاً مشروعاً بأي معيار من المعايير الدولية. ولكن في مرحلة لاحقة تحول هذا التدخل الى عدوان ضد العراق نفسه. وعلى الخلفية في هذه الاثناء باع اكراد العراق انفسهم للولايات المتحدة في سبيل حماية اميركية لكيان الحكم الذاتي الكردي في الشمال العراقي من النظام في بغداد. وما ان اشتعلت الحرب الاميركية الراهنة في العراق حتى دخلت واشنطن في مساومات مع تركيا بشأن وضع الاقلية الكردية في العراق تشير كل الدلائل المتوفرة حالياً الى انها سوف تنتهي بعد الحرب (ايا تكون نتيجتها)الى تخلي الولايات المتحدة عن الاكراد العراقيين من اجل المحافظة على التحالف الاستراتيجي الثابت مع تركيا. «المسلمون يد على من سواهم». هذا مبدأ ينطوي عليه حديث نبوي شريف. ولا يبدو ان احدا من اطراف الفتنة الكبرى يأخذ به.