الاثنين 5 صفر 1424 هـ الموافق 7 ابريل 2003 بعيداً عن الحرب الإعلامية والأكاذيب العراقية والأميركية حول سير المعارك وتغيير اسم مطار صدام إلى مطار بغداد، هناك حقيقة لا يمكن تجاهلها وهي أن القوات الاميركية، تواصل زحفها تجاه بغداد دون تراجع. والنتيجة المرتقبة لهذه المعارك والتي أكدت عليها الإدارة الأميركية تتمثل في ازاحة نظام صدام حسين، وهذا ما سيتم خلال أيام أو أسابيع. وعلى الرغم من كل هذه الأحداث، إلا أن بعض القيادات والأقلام العربية لا تزال تتحدث عن فشل الجامعة العربية وأعضائها في تجنب الحرب وتتبادل الاتهامات والكلمات الجارحة مما يزيد الأمر سوءاً ويوسع دائرة الخلافات. في هذه المرحلة الحرجة من تاريخ المنطقة يجب أن يتوقف الجميع للحظة عن مشاهدة التلفاز وسماع الأكاذيب المزدوجة ولينظروا نحو المستقبل وإلى أين تتجه دفة التاريخ، فالمرحلة المقبلة ستنحصر في حالتين، هما: التصادم أو التفاعل مع التيار الغربي وتحديداً الأميركي. هل يمكن للدول العربية مواجهة أميركا و«حلفائها»؟ باختصار شديد الإجابة «لا»، فواقع حال الأمة العربية لا يمكنه فعل ذلك إلا بعملية انتحارية جماعية لا يقبلها أو يستوعبها منطق. ولكن هذا لا يعني بالضرورة الاستسلام وترك مفاتيح اللعب في يد الطرف الآخر. فالمخرج العقلاني من هذه المعضلة هو اتباع سياسة الشراكة والتفاعل مع الطرف الآخر. وأحياناً الانحناء في وجه العاصفة عند الضرورة كسياسة السنبلة التي تنحني في وجه العاصفة وتستقيم بعد مرورها دون أن تكسر. إن سياسات التمني والشعارات التي تستهوي بعض القيادات العربية غير مجدية اليوم رغم انها كانت في السابق رداء للشرعية المصطنعة. هذه الشعارات التي كانت تجذب الجماهير قبل عشرين أو خمسين عاماً لا يمكن استمرارها في عالم اليوم، حيث يجب أن تخضع لعملية تحديث وتطوير تناسب الواقع والامكانيات. إن الانسان العربي خضع لسنين طويلة لعملية «غسيل مخ» جعلته ينسى الواقع والفروقات الموجودة بين العرب، ولكنها في الحقيقة لم تنجح تماماً. فالشارع العربي اليوم شبه موحد في رفض العدوان الأميركي على العراق، ولكنه للأسف لم يكن كذلك عندما اعتدى العراق على الكويت، وجرت عمليات تعذيب وسلب ونهب واغتصاب، وهذا ما لا يفعله الأميركيون في العراق. ولكن خلال احتلال العراق للكويت خرج من خرج دعماً للاحتلال ورفعت صور صدام.. فلماذا؟! نعم.. الحرب اليوم على العراق مرفوضة، لكنها وقعت ويسقط فيها شهداء على أرض الرافدين، ومسئولية الحرب لا تقتصر على أميركا وحلفائها فقط، بل يتحمل العرب والمجتمع الدولي جانباً منها وتحميل الكويت وحدها الذنب أمر لا يجانبه الصواب. ربما تدفع الكويت اليوم ما لم يدفعه العرب في قمتهم الأخيرة عندما هربوا من مسئولياتهم التاريخية في شرم الشيخ. كل هذه الأحداث والمآسي يجب أن تكون اشارة حمراء يتوقف العرب عندها حتى يعيدوا ترتيب أولوياتهم وينظروا الى العالم من حولهم فلا توجد للفرس مملكة ولا للرومان امبراطورية، فالعالم اليوم لا يمكن التعامل معه كما حدث بعد الحرب العالمية الثانية وخلال الحرب الباردة. وأخيراً بعد أكثر من نصف قرن بدأ الحديث في الأوساط الدبلوماسية العربية عن نظام جديد يتجاوز الجامعة العربية المتهالكة. وهذا أمر ايجابي كان من المفترض أن يتم منذ زمن طويل، ولكن كما يقال «أن تأتي متأخراً أفضل من ألا تحضر». إن العالم العربي اليوم في حاجة لمنظومات صغيرة فعالة تخلق تكتلات سياسية واقتصادية مؤثرة. ومجلس التعاون الخليجي ليس بالمثال الأنصع، ولكنها تجربة جديرة بالاحترام ويمكن استنساخها مع اجراء تعديلات أساسية في نظامها وتركيبها. فيمكن أن يكون النظام العربي الجديد يعتمد على تكتل خليجي وتجمع عراقي ـ سوري ـ لبناني ـ أردني ـ فلسطيني، وتكتل يضم: مصر والسودان والصومال واليمن وجزر القمر وتجمع مغاربي. هذا النظام الجديد يمكن أن يعمل على أساس مصطلح في علم الادارة يسمى «التعافس» الذي يعتمد على فكرة التعاون والتنافس في آن واحد. إن المجتمع العربي بشكله الحالي المتمثل في هيئة الجامعة العربية ثقيل لا يمكنه التحرك. إن فكر الوحدة العربية أقعد الأمة العربية منذ عقود في مكانها وأصبح عائقاً أمام البحث عن بديل، فلا للوحدة العربية بشكلها وفكرها التقليدي، حيث أصبحت اليوم أشبه بفكرة المدينة الفاضلة. أما الجامعة العربية فيمكن تخصيصها للتعاون في البحث العلمي والثقافي لهذه التكتلات العربية.