استراحة البيان، يكتبها اليوم: علي عبيد، أجوبة في الزمن الأصعب

الاحد 4 صفر 1424 هـ الموافق 6 ابريل 2003 ابني العزيز... كم يؤسفني أن تحمل كل هذا القدر من الإحباط في زمن نحن أحوج ما نكون فيه إلى الأمل والثقة بالنفس والقدرة على مواجهة ما يحيق بنا من أخطار وما يدبر لنا من مكائد. هَبْ أننا نعيش زمناً صعباً إلى هذه الدرجة.. هَبْ أنه أصعب الأزمان على الإطلاق.. أفلا يفترض فينا أن نكون قد أعددنا أنفسنا لمواجهة أسوأ الأزمان وأصعب المواقف؟ أعرف أنك ستقول إن هذه مسئوليتكم أنتم أيها الآباء.. وإنه كان علينا أن نعدّكم لمثل هذا.. ولكن من قال إننا لم نرد ذلك ولم نبذل قصارى جهدنا لتحقيقه؟ إنكم يا بني تجرحوننا في أعماقنا وتوجهون لنا أقسى الطعنات إذا ظننتم يوماً أننا قد أهملنا أو قصّرنا في إعدادكم لمثل هذه المواقف، وتسليحكم بكل الأدوات لمواجهة أصعب الأزمان وأسوأها. وستثبت لكم الأيام غداً.. عندما تكبرون ويصبح لكم أبناء مثلنا.. أن الأبناء وحدهم هم من يتمنى المرء أن يكونوا أفضل منه في هذه الحياة.. فأي ظلم توقعونه علينا إذا ما اعتقدتم خلاف ذلك ورفعتم أصابع اتهام من هذا النوع في وجوهنا! ها أنتم تتهموننا اليوم بأننا قد زرعنا الشوك، وملأنا الأرض حقداً وفتناً وضغائن ودماً، ونسينا ساعة ندم ومحاسبة كهذه نقف فيها أمامكم وأمام أنفسنا لنجيب عن أسئلة من هذا النوع. فلتعلم يا بني ـ وجيلك كله معك ـ أنكم بمثل هذا الاتهام إنما تجمعون بين الضحية والجلاد وتضعونهما في قفص واحد، غير مفرقين بين من اكتوى بالنار ومن كان ينعم بدفئها.. وتلك هي أكبر آفاتنا. نحن لا ننكر أننا جيل قد أسهم في صنع المأساة ولكن ليس عن سوء قصد أو جبن أو تقاعس.. فيشهد اللّه أننا كنا دائماً على استعداد لبذل أرواحنا رخيصة في سبيل كل قضية ناضلنا من أجلها.. والشواهد على ذلك كثيرة.. ولكننا جيل كانت تسيّره نواياه الحسنة وتطلعاته النبيلة التي استغلها بعض أولئك الذين أعمى أبصارهم وبصيرتهم بريق السلطة، ودفعتهم حداثة عهدهم بها إلى الانحراف بالأمة عن الطريق التي كانت ستوصلها إلى الأهداف العظيمة التي قامت من أجلها الثورات وهبّت لتحقيقها الشعوب في زمن كانت كل الظروف فيه مهيأة لتحقيق هذه الأهداف والوصول إلى أفضل النتائج. فلم يكن العالم وقتها أحادي القوة كما هو اليوم، إذ توفر له من توازن القوى ما كان حريّاً بنا أن نستثمره لصالح تحقيق أهدافنا. لست أزعم أن كل القيادات كانت فاسدة وإلاّ لما أجمعت عليها الأمة من مشرقها إلى مغربها.. ولكن الخطأ في مرحلة مصيرية ومهمة مثل تلك كان لا يغتفر.. وقد دفعنا ثمنه غالياً.. ومازلنا ندفع ثمنه معكم حتى اليوم.. وربما تظل تدفع ثمنه أيضاً أجيال قادمة إن لم نتدارك أنفسنا. نحن نفخر بأننا قد بدأنا مرحلة زاهية من تاريخ هذه الأمة.. يوم أن كانت الشعوب تتجاوب مع كل أنّة من المحيط الأطلسي إلى بحر عمان على تخوم المحيط الهندي.. يومها كنّا بحاجة فعلاً إلى من يأخذ بأيدينا لرفع رؤوسنا. نحن لا ننكر أن الآمال كانت أكبر من أن تحيط بها الإمكانات.. وأن الأحلام قد تجاوزت حدود الواقع الذي ضاق بها.. ولكن متى كانت أحلام الشعوب تعترف بالواقع؟! ثم كانت تلك الثغرات التي أخلّت بنسيج الثوب الذي خلناه قوياً.. فحدثت «النكسة» التي أعادتنا سنوات إلى الوراء.. وأنزلتنا من سماء الأحلام إلى أرض الواقع الكئيب المر.. ومع ذلك فقد تماسكنا وأعدنا تنظيم صفوفنا.. واستطعنا تحقيق نصر على عدوٍ كان قد ألغانا من حساباته، واعتقد أنه لن تقوم لنا قائمة بعد تلك الكبوة.. فلماذا حذفتم ذلك من رصيد انجازاتنا ولم تنظروا إلاّ لنصف الكأس الفارغة؟ هل لأن ما حدث بعد ذلك أدى إلى انطفاء بريق ذلك النصر الذي لم يتوقعه أكثر الأصدقاء تفاؤلاً؟ ربما.. لأن ما حدث بعد ذلك خلط جميع الأوراق وأدخلنا متاهات ما زلنا نتخبّط في أنفاقها المظلمة حتى يومنا هذا. وطالما أننا نمارس نوعاً من جلد الذات اليوم فلابد لنا من الاعتراف بخطأ ارتكبناه وعانينا منه طويلاً ولا نزال نعاني منه، وستظل الأجيال القادمة تعاني تبعاته فيما لو استمرت على النهج نفسه.. فقد اختزلنا ـ في مرحلة ما من تاريخنا ـ الوطن كله في شخص رجل واحد.. ثم مضينا نرسم حوله من الهالات ما حوّله إلى كيان أقرب ما يكون إلى الآلهة منه إلى البشر.. حتى لم يعد قابلاً للخطأ.. لم يعد قابلاً للحوار.. لم يعد قابلاً للنقاش واعادة النظر. وعندما كنّا ننطلق في الشوارع لممارسة عادة الهتاف التي غدت طقساً نؤديه في كل مناسبة وبدون مناسبة.. كان هتافنا لا يخرج عن افتدائه بالروح.. بالدم. تتغير أسماء من نفتديهم بالروح والدم من بلد إلى آخر.. بينما الوطن هو الغائب الوحيد عن المشهد.. هو وحده المحروم من أن يأخذ دوره في سلسلة الأسماء التي تفتدى بالروح والدم، لأننا تصورنا أن الزعيم هو الوطن فمنحناه القداسة التي تمنحها الشعوب للأوطان.. ومضى هو يمارس علينا كل عقده ونوازعه البشرية وضعفه الإنساني.. وبقينا نحن الذين نضحي بالروح والدم.. بقينا الطرف الأضعف في المعادلة الصعبة.. حتى انهار الوطن.. وما زال الزعماء يزعمون أنهم هم الوطن.. وأن الوطن بخير ما داموا هم بخير.. غير معترفين بالانهيار والدمار اللذين تتعرض لهما الأوطان على أيديهم.. بسبب حماقاتهم ومغامراتهم والأمجاد التي يضعونها لأنفسهم.. وهم لا يدركون انهم يبنونها على تلال من الجماجم والخرائب.. ويروونها بالدماء التي تسفك رخيصة من أجل بقائهم سالمين متربعين على الكراسي متشبثين بالسلطة. واليوم... ها أنتم يا بنيّ تحمِّلوننا ما وصلتم إليه من هوان، وتتهموننا بإضاعة قضاياكم الكبرى، وتفويت كل الفرص التي لاحت لإعادة العنفوان والمجد والكرامة للأمة.. كأني بكم تريدون أن تخلوا أنفسكم من المسئولية، نافضين أيديكم من تحمل دوركم في النهوض بأمتكم بعد أن وضعتم أصابعكم على مواضع الخلل ومواقع الزلل. ثم... هَبْ أننا جيل فشل في تحقيق شيء مما كان يتطلع إليه.. أفلا نستحق أن يسجل لنا أننا قد حاولنا حتى لو كان الفشل هو نصيبنا؟!.. أفلا يكون ذلك دافعاً لكم للاستفادة من الأخطاء التي ارتكبناها على مدى هذه السنوات التي أوصلتنا إلى هذه الحال كي تتجنبوها وأنتم تكملون المسيرة؟ إن الزمن يا بني عجلة تدور ولا تتوقف عند قمة النجاح أو سفح الفشل.. صحيح أن هناك محطات يترجّل فيها جيل ويصعد جيل.. لكن الرحلة مستمرة.. يتخلّف من يتخلّف ويواصل الرحلة من يواصل.. لأن قوانين الحياة قد قضت بذلك.. وهي لا تعترف بالمحبطين والمتقاعسين مهما كانت أعذارهم. لقد كان من أكبر أخطائنا يا بني أننا دائماً ما كنا نراهن على الجواد الخاسر.. فلا تكرروا الأخطاء التي أوصلتنا إلى ما تلوموننا عليه اليوم.. ولا ترتكبوا الحماقات التي ارتكبناها فيلومكم أبناؤكم بعد ذلك. لذلك... فأنتم مدعوون لأن تنفضوا عن أنفسكم غبار اليأس والإحباط هذا.. وتحطموا الأصنام التي استعبدتكم أكثر مما عبدتموها.. هذا إذا أردتم أن ترفعوا رؤوسكم من جديد وتستعيدوا كرامتكم. وما لم تبادروا إلى ذلك فعليكم وعلى كرامتكم والدنيا السلام. والدك الحزين

طباعة Email