الاحد 4 صفر 1424 هـ الموافق 6 ابريل 2003 بعيداً عن الإبهار واستمالة القارئ، أو تحشيد المواقف حول هذه الرؤية من الحرب الدائرة في العراق، أو حتى إن كانت الحرب المتبعة والطريقة التي تسير من خلالها، إن كانت خطة شارون الذي استخدمها في عدوانه على لبنان عام 1982 أو المنطلقة من ذات المنهج المدخل عليه بعض التعديلات، لجهة قياس المساحة الجغرافية والأسلحة الحديثة المستخدمة هذه المرة ضد العراق وشعبه، أم لجهة المزاوجة بين هذه الخطة وغيرها من الخطط التي حيكت بالبنتاغون. تجدر الإشارة إلى أن هذه الحرب الدائرة رحاها على أرض العراق هي حرب إسرائيلية بامتياز إذا ما نظرنا إلى الأهداف المتوخاة منها على المديين المنظور والبعيد، أي أن هذه الحرب، أو إذا شئت العدوان على العراق ينطلق هذه الأيام من جملة حقائق، سياسية واقتصادية وجيوستراتيجية التي بالضرورة ستطال بنتائجها المعادلة الإقليمية برمتها، دون النظر إلى قائمة الأعداء والأصدقاء هذه المرة بالنسبة لراسم هذا التغير، الذي يمثل الثالوث المقدس البريطاني الأميركي من جهة والإسرائيلي من جهة أخرى. بكلام أكثر وضوحاً ان الأهداف المتوخاة في مجملها تسعى إلى ترسيم المنطقة توطئة لتسييد إسرائيل على المنطقة برمتها باعتبارها رأس المشروع المتصل بالقاعدة المزدوجة في كل من لندن وواشنطن؛ والذي يتطلب بالضرورة جملة من الإجراءات، والتي تتلخص في: أولاً: ضرب أهم مرتكزات القوة العربية وفي مقدمتها العراق بكل تأكيد، ليتسنى فيما بعد كخطوة تليها البدء في العبث الجيوسياسي في العراق ومحيطها. ثانياً: العمل على خلق أطر إقليمية مختلفة عن الأطر الحاضرة، بداية بالمؤسسة الإقليمية العربية ( الجامعة العربية) من خلال تغيير مواثيقها السياسية والاجتماعية والأمنية المنصوص عليها في ميثاقها، وإقحام بعض الدول المحيطة في بعض التراكيب التي تهدف كما أسلفنا إلى تغيير المعادلة الإقليمية في بناء أو استحداث محاور وأشكال وبنى تحمل خليطاً متنوعاً على كل المستويات الأثنية والدينية وحتى الجغرافية، بحيث تصبح إسرائيل مركز هذه المحاور والتشكيلات الإقليمية المستحدثة. ولعل العمل الجاد على تشكيل إدارة عراقية بقيادة أحد الجنرالات الأميركان، والذي يعتبر صديقاً حميماً لإسرائيل تعبير دقيق عن القادم من المتغيرات، لدرجة ذهب الكاتب الإسرائيلي تسفي برئيل للقول في صحيفة هآرتس الإسرائيلية الصادرة في 31/3/2003 المتخصص بالشئون العربية بالقول:«أن اتباع الولايات المتحدة نموذج إسرائيل في فلسطين وتتحول إلى قوة احتلال للعراق.. وأضاف أن مشكلة الحرب الأساسية حتى الآن هي أنها تعتبر احتلالاً للعراق وليس قضاءً على مركز الشر بها». بل أكثر من ذلك رأى تسفي، أن حرب العراق تطمح إلى تغيير النظام في كل دولة، أي تلميح قوي لكل الدول العربية هذه المرة وليس لدول الشرق الأوسط بهلامية الكلمة المطروحة، خاصة وأننا نعلم على سبيل المثال أن تركيا تعتبر نظاماً ديمقراطياً وحتى إيران، إذن المستهدف بالدرجة الأولى العرب خاصة ممن يسمون بمحور الشر هذه الأيام. بالإضافة إلى الدول التي تنتهك حقوق الإنسان. أما الكاتب الإسرائيلي جدعون ليفي وفي نفس الصحيفة المذكورة، فقد قال في مقالة له بأن:«الحرب ضد العراق مازالت في مراحلها الأولى، ومن الصعب أن نعرف ما الذي ستحمله في طياتها، ولكن من الممكن أن نقرر من الآن أنها ليست حرب أبناء النور ضد أبناء الظلام». هذا بالنسبة إلى الأهداف البعيدة للغزو على العراق، أما فيما يخص الأهداف القريبة والتي تتعلق بإسرائيل بشكل مباشر، فهي تتلخص في جملة من الإجراءات السريعة، فقد وجدت إسرائيل ضالتها في تخفيض مستوى خارطة الطريق إلى أدنى درجة، خاصة بعد أن أعيد إدخال إسرائيل بطريقة مختلفة هذه المرة، بحيث كانت صغيرة نسبياً وكبرت بشكل مفاجئ لم يكن ينتظره صانع السياسة العربي. الأمر الذي سيغير كل سياساتها التي اتبعت قبل بدء الحرب، ولعل أوساط مكتب شارون التي رفعت شارات النصر على خلفية نتائج اجتماع رئيس الوزراء البريطاني طوني بلير والرئيس الأميركي جورج بوش يوم 29/3 المنصرم وما تلاه في المؤتمر الصحفي المشترك بواشنطن، والتي كان رفعها بسبب عدم قدرة فرض بلير خطة الطريق كما جاءت، وأنه حان الوقت لفرض خطة الطريق الشارونية، خاصة بعد إبعاد اللجنة الرباعية عن هذا الملف الشائك إسرائيلياً. حتى ذهبت الكثير من الأوساط الإسرائيلية على المستويين السياسي والإعلامي بالقول بأن الرئيس بوش قد أوفى بوعده لرئيس الوزراء الإسرائيلي شارون. هذه القضية بالذات تؤسس إلى التهرب من قضية حق العودة لللاجئين الفلسطينيين، كما تعيد للأذهان قضية الوطن البديل وأن ما سمع مؤخراً لهو دليل خطير على مستقبل الأردن، بحيث بدأنا نسمع الكثير من النغمات الإسرائيلية المترافقة مع الحرب على العراق، بأنه بات من الضروري ترحيل الكثير من المخيمات في الضفة وغزة إلى وطنهم ألام أي إلى الأردن. أما ما يخص المغانم فقد بدأت الكثير من الإشارات ترفع من داخل إسرائيل بهدف ربط اقتصاديات المنطقة في إسرائيل باعتبارها العقدة المنظمة لعلاقة المنطقة مع الغرب، بمعنى أدق اعتبار البوابة الإسرائيلية هي المدخل الرئيسي للعالم على المنطقة حتى فيما يخص التجارة البترولية. وقد يكون إيعاز وزير البنى التحتية الإسرائيلي، يوسف باريتسكي، إلى مصلحة الوقود وشركة الخدمات النفطية بتركيز المعطيات حول خط أنبوب الموصل ـ حيفا وحول إمكانية تجديد عمله بعد ما أسماه «نهاية الحرب وتغيير النظام في العراق»، دليل حي على المشاريع الإسرائيلية القادمة في المنطقة بشكل عام. هذا الأمر بالذات أكده عكيفا إلدار المعلق السياسي في صحيفة هآرتس الإسرائيلية نقلاً عن باريتسكي قوله إنه «مقتنع بأن فكرة تجديد عمل خط أنبوب النفط ستلقى قبولاً ومباركة لدى الأميركيين نظراً لأنه سيشكل المخرج الوحيد للنفط العراقي صوب البحر المتوسط». أضف إلى ذلك أن الكثير من المشاريع بدأت تطرح بهذا الشأن، حتى أن البعض بدأ بطرح مشروع لنقل بترول الجنوب العراقي إلى مدينة إيلات على البحر الأحمر من خلال خط أنبوب نفط عبر المملكة الأردنية، باعتبار أن هذه الطريقة تختزل مسافة كبيرة قياساً بالنقل البحري الذي يتم عن طريق الخليج العربي. ناهيك عن إدخال الشركات الإسرائيلية في عمليات البحث والتنقيب والنقل والتصدير بالإضافة إلى الصناعة، وهذا ما كانت تسعى إليه إسرائيل منذ احتلالها لفلسطين، وليس من الغرابة بمكان إذا ما قلنا أن من أهم دوافع حرب العام 1967كانت من بينها فرض وقائع احتلالية على الأرض بهدف المساومة على هذه القضية، لكن جميعها باءت بالفشل، بسبب المواقف العربية الرافضة للمشاريع الإسرائيلية. استخلاصاً لما سبق، يمكننا القول بأن انتصار المشروع الأميركي، سيجعل إسرائيل قادرة على تمرير إجماعها الداخلي في رفض حق العودة والإعلان عن دولة فلسطينية هلامية تفتقد إلى كل مقومات الدولة الحقيقية باعتبارها تشكل مجموعة من البانتستونات أي ما يشبه النمر المرقط، إيذاناً بربطها بالمملكة الأردنية الهاشمية على أساس من الوطن البديل، لتجد عبر هذه التركيبة مدخلاً لها يوصلها إلى قلب بغداد وبذلك تقيم دولتها التي سعت من أجلها تحت عنوان «سيراً على الأقدام من أور إلى القدس». ناهيك عن تحقيق مقولة الأمن باعتبارها ستكون منظومة مفروضة على العرب من المحيط إلى الخليج. لكن السؤال ماذا لو خسرت الولايات المتحدة رهاناتها على إرساء الأمن والاستقرار في العراق بعد نظام صدام؟ وماذا لو طالت عمر الحرب أكثر من المتوقع بأشهر؟ الجواب على جملة الأسئلة التي تطرح، تصب في اتجاه واحد لا ثالث له بأنه إذا ما طالت عملية الحسم سنشهد الكثير من الحروب الدامية حتى مع إسرائيل نفسها باعتبارها المخزون الاحتياطي لهذه الحملة الجهنمية التي يشهدها العراق، مع الكثير من محيطها الجغرافي بما في ذلك الفلسطينيون. ـ كاتب فلسطيني