الاحد 4 صفر 1424 هـ الموافق 6 ابريل 2003 بصرف النظر عن النتيجة النهائية للحرب الدائرة (وهي مسألة لا يستطيع كائن من كان ان يقطع فيها بحكم جازم حتى الآن)، فان القضية العراقية ، لن تزداد إلا تعقيداً على تعقيد طالما ظلت الولايات المتحدة تستبعد الأطراف العراقية والدولية عن بؤرة صنع القرار في شأن الحرب وشأن السلام معا، يستوي في ذلك تهميش قادة الأكراد وتنظيم الشيعة وبقية فصائل المعارضة الأخرى مع فرنسا وروسيا والصين. وجاء مؤخراً تهميش دور الشريك البريطاني. بالطبع نذكر باديء ذي بدء أن الحرب نفسها لا تستند إلى أي شرعية دولية، سواء من نصوص ميثاق الأمم المتحدة أو القانون الدولي أو قرار سياسي من مجلس الأمن الدولي. لقد فشلت الولايات المتحدة في استصدار قرار من مجلس الأمن يضفي غطاء قانونيا على حرب صممت مسبقا على شنها.. فلم تؤيد موقفها اي دولة من الدول دائمة العضوية سوى بريطانيا.. وعوضا عن النزول عن رغبة الإرادة الجماعية الدولية فان إدارة بوش نفذت حملة الغزو على العراق وفي معيتها الشريك البريطاني (بالاضافة إلى مشاركة استرالية رمزية). لكن الآن، وبعد دخول القتال اسبوعه الثالث يطرأ خلاف بين واشنطن ولندن على الصعيدين الميداني والسياسي. ميدانيا، تعترض الحكومة البريطانية على مسلك القوات الأميركية في استهداف المدنيين العراقيين سواء عمدا أو عشوائيا. فالجنود الأميركيون كما ثبت من خلال عدة حوادث لا يتوخون الدقة والحرص في اطلاق النار، لدرجة ان عددا من المقاتلين البريطانيين أنفسهم قتلوا او أصيبوا بسبب «نيران صديقة» من قوات أميركية. وبالاضافة الى ان قتل جنود بريطانيين على هذا النحو يسبب حرجا لحكومة توني بلير أمام رأي عام بريطاني معارض للحرب أصلا، فان لندن ترى ان حوادث قتل المدنيين العراقيين ـ خاصة حينما يكون بين الضحايا أطفال وأمهات ـ تسييء الى الحملة العسكرية وأهدافها المعلنة ومن بينها «تحرير» الشعب العراقي من حكم استبدادي. وإذا كان الخلاف الميداني يتركز على ما هو «كائن»، فان الخلاف على المستوى السياسي هو حول ماذا «سيكون».. بكلمات أخرى، مستقبل العراق بعد نهاية الحرب على اساس فرضية بأن الغزاة واثقون من الانتصار. حتى الآن لم يصدر عن إدارة بوش بصورة رسمية وقاطعة شيء عن تصورها لشكل الحكم في عراق ما بعد الحرب. لكن ما يمكن استخلاصه من تسريبات متكررة هو ان العراق سوف يتحول الى مستعمرة أميركية خالصة او على الأقل «محمية». وهذا ما ترفضه الحكومة البريطانية علنا وبصورة لا لبس فيها. فبريطانيا ترى أن يسلم الحكم الى عراقيين بمجرد انتهاء الحرب وتحقيق درجة أولية من الاستقرار. وإجمالا تشعر بريطانيا بأنها مهمشة حتى في طريقة تسيير الحرب حاليا. فقد عمدت القوات الأميركية الى الانفراد بمهمة محاصرة بغداد واقتحامها، تاركة للقوات البريطانية مهمة التعامل العسكري مع المدن الأخرى في الجنوب العراقي وحراسة خطوط الامداد من الحدود الكويتية حتى مشارف بغداد. والمغزى السياسي واضح. فالذي يقرر مصير بغداد سيقرر مصير العراق. القيادة الكردية (برزاني وطالباني) مع القيادة الشيعية (المجلس الاعلى للثورة الاسلامية في العراق بزعامة باقر الحكيم) ايضا مستبعدتان من القرار العسكري على المستوى الأعلى.. ولا يغير من هذه الحقيقة انه بينما سمحت الولايات المتحدة للمليشيات الكردية بالمشاركة في القتال فانها منعت المليشيا الشيعية من مثل هذه المشاركة. والهدف السياسي الأميركي هو الحيلولة دون اشراك التنظيم الشيعي في حكم عراق ما بعد الحرب من ناحية ومنع الأكراد من إقامة كيان مستقل يستفز تركيا. نفهم إذن لماذا وضعت المليشيات الكردية المقاتلة تحت إمرة قيادة عسكرية أميركية في شمال العراق. وكما أغضب قرار واشنطن الأحادي بشن الحرب على العراق القوى الدولية الأخرى في مجلس الأمن ـ فرنسا وروسيا والصين ـ فان المخطط الأميركي لانفراد الولايات المتحدة بحكم العراق بعد الحرب لم يزد هذه القوى الدولية إلا غضبا على غضب. ونذكر ان هذه الدول الكبرى الثلاث خاضت قبل اندلاع الحرب معركة دبلوماسية طويلة في مجلس الأمن الدولي ضد الولايات المتحدة (وبريطانيا) من اجل حصر معالجة المسألة العراقية (أسلحة الدمار الشامل وعمليات التفتيش الدولي) في اطار الأمم المتحدة. والآن وقد «اختطفت» الحرب الأميركية القضية فان هذه القوى الكبرى الثلاث تريد استعادة مبادرة الأمم المتحدة في التعامل مع قضية عراق ما بعد الحرب. ان الولايات المتحدة لا تعترض مبدئيا على «دور مناسب» للأمم المتحدة بعد أن تنتهي الحرب.. لكن ما تريده إدارة بوش لهذا الدور هو ألا يكون وجود الأمم المتحدة في العراق اكثر من جمعية خيرية تنحصر مهمتها في الشئون الإنسانية كبرامج الاغاثة، في ظل حكم احتلالي استعماري تنفرد به الولايات المتحدة. الحرب إذن لن توفر حلا نهائيا للمسألة العراقية، خاصة إذا انتهت إلى انتصار أميركي.. فسوف تبدأ حينئذ «حرب» من نوع جديد تجد فيها الولايات المتحدة أنها صارت في مواجهة ساخنة مع أطراف عراقية ودولية في آن معا تستهدف الوجود الأميركي على الأرض العراقية.