يوميات النصر الأليم في مدينة مقاومة !، بقلم: جلال عارف

الاحد 4 صفر 1424 هـ الموافق 6 ابريل 2003 بغداد تحترق.. كان هذا هو العنوان الرئيسي لأنباء اليوم الأول للعدوان. وتمضي الأيام والقصف البربري يزداد على عاصمة الرشيد، والضحايا الأبرياء يتساقطون، وكلما ازداد تعثر القوات الغازية كلما ازداد جنونها. بغداد تقاوم.. هذه هي «المفاجأة» التي لم تفاجئ إلا جيوش الغزاة فقط. فكل صفحة من صفحات التاريخ تقول إن الشعوب لا تستقبل الغزاة بالورود بل بالقنابل، وأن الأمم في وجه الخطر تصبح كتلة واحدة من صمود يرفض الهوان. بغداد في وجه الغزو.. بغداد تحترق.. بغداد تقاوم، بغداد تأخذني ـ وتأخذنا جميعا ـ إلى أيام عشت فيها نفس الظروف. تنفست الهواء برائحة البارود، وأطبقت النيران التي أشعلها الغزاة من كل جانب على مدينتي، ولملمنا بأيادينا الصغيرة أجساد الشهداء، وحملت أذرعنا ـ التي لم تكن قد اشتدت بعد ـ البنادق بصعوبة، ولم نكن ندري يومها أننا نصنع تاريخا جديدا للبشرية كلها، لكننا كنا نعرف أن من حقنا أن نحلم بالحرية والعدل، ومن واجبنا أن نقاتل في سبيلهما.. وكان العالم كله يحلم معنا. أتذكر ذلك اليوم جيدا. بدأت إسرائيل عدوانها على الحدود المصرية. في المدرسة أخبرونا بتعليق الدراسة. نسير في شوارع المدينة ونقترب من الميناء. كنت بصحبة الزميل مصطفى شردي رحمه الله وكان يراسل صحيفة «الأخبار» من مدينتنا الصغيرة الجميلة «بورسعيد». احتياطات الأمن تقيد الحركة في هذه المنطقة. نلتقي بمسئول أمني ونفهم أن هناك رصدا لتحركات الأسطول البريطاني من قبرص. بعدها تتضح المؤامرة.. هجوم إسرائيلي على الحدود، ثم إنذار من بريطانيا وفرنسا بابتعاد الفريقين المتحاربين (أي مصر وإسرائيل) عن قناة السويس لتأمين الملاحة بها. وهكذا تصبح سيناء في قبضة إسرائيل، وتعود القناة الى مغتصبيها البريطانيين والفرنسيين. سجلات التاريخ كانت المعركة حول القناة قد اشتعلت قبل ثلاثة أشهر حين أعلن عبدالناصر تأميم القناة. الآن تبدو الكلمة سهلة. في ذلك الوقت كانت حدثا يساوي في أهميته انهيار الاتحاد السوفييتي. لم تكن هناك من سابقة إلا محاولة «مصدق» في إيران قبلها بسنوات قليلة ـ تأميم البترول هناك، والتي انتهت بانقلاب أميركي قضى على المحاولة وأعاد الشاه الى السلطة وأبقى السيطرة على البترول للدول الغربية، وإن نقلها من أيدي البريطانيين الى أيدي الأميركان. تأميم القناة كان حقا مشروعا لمصر، ولكنه كان أمرا مرفوضا من أكبر إمبراطوريتين استعماريتين في ذلك الوقت (بريطانيا وفرنسا)، وكان قرارهما هو غزو مصر وإسقاط النظام واستعادة القناة وضرب مركز الثورة العربية التي اشتعلت من الجزائر الى الخليج مطالبة بالحرية والاستقلال. في مدينتي الصغيرة كان للأحداث المتتابعة طعم آخر. مدينتي كانت تعاني لسنوات طويلة من احتلالين وليس من احتلال واحد. احتلال الجيش البريطاني الذي أجبر على ترك باقي مصر لتتركز قواته في منطقة قناة السويس وتقيم هناك أكبر قاعدة عسكرية في الشرق الأوسط، ثم احتلال آخر تمثله الشركة الأجنبية التي «تملك» وتدير قناة السويس بسيطرة فرنسية ثم بريطانية، والتي جعلت من نفسها دولة داخل الدولة.. تستولي على دخل القناة وتسيطر على الحياة المدنية في المنطقة، وتعطي كل الوظائف الرئيسية بها للأجانب، وتسخر كل إمكانياتها لخدمة الدول المالكة والإضرار بمصالح مصر. وكان الجيش البريطاني قد رحل قبل شهور بمقتضى معاهدة جديدة بين الإنجليز وقادة الثورة، وكانت شركة القناة مازالت في قبضة الأجانب حتى فجر عبدالناصر قرار التأميم.. ردا على رفض البنك الدولي تقديم قرض لبناء «السد العالي» بتوجيه من واشنطن وتأييد من حكومات لندن وباريس. مدينتي كان لها في هذا العام أكثر من موعد مع الأفراح. في يونيو جاء عبدالناصر ليرفع العلم المصري فوق القاعدة العسكرية التي كانت بريطانية بعد رحيل آخر جندي بريطاني عن أرض مصر. وبعدها بأسابيع انفجر بركان الفرح مع قرار تأميم القناة واستعادتها لأحضان مصر. ولم يكن القرار فقط ثأرا من الإهانة التي تم توجيهها لمصر برفض الإسهام في بناء السد العالي، بل كان ثأرا لأرواح مئة وعشرين ألف مصري دفعوا حياتهم أثناء حفر القناة. وكان ثأرا لسنوات من الاحتلال الإنجليزي الذي ما كان يتم لولا خديعة إبقاء قناة السويس مفتوحة أمام الجيوش الغازية. وكان ثأرا لسنوات من الاستغلال البشع كانت الشركة الأجنبية لا تعطي لمصر أثناءها إلا الفتات من إيرادات القناة، بينما تذهب معظم الحصيلة إلى جيوب الناهبين في لندن وباريس. وها هي المدينة تصحو من أفراحها على صوت قنابل الأعداء.. هجوم إسرائيلي وإنذار بريطاني ـ فرنسي رفضته مصر على الفور. ويدرك عبدالناصر أن هناك مصيدة تدبر للجيش المصري ليتم حصاره بين قوات إسرائيلية تهاجم من الشرق وقوات بريطانية فرنسية تسيطر على القناة، فيأمر الجيش بالانسحاب إلى غرب القناة. ومع انتهاء ساعات الإنذار المرفوض. كانت المدينة الصغيرة هدفا لجيوش إمبراطوريتين، وكانت بالدم تكتب اسمها في سجلات التاريخ. عنوان المعركة الهول يأتي من الجو والبحر، أما الأرض فكانت لنا. طائرات الأعداء تبدأ في القصف مع بزوغ أول ضوء للشمس ولا تتوقف عن إلقاء قنابلها الى أن تغيب الشمس. لم تكن الأسلحة قد تطورت كما اليوم.. حيث تقول قوات الغزو التي تقصف العراق إن الليل ملكها لأنها تملك الأجهزة التي تمكن طائراتها من قصف أهدافها بدقة، وتثير الدنيا لأن العراق حصل على أجهزة رؤية ليلية من الروس أو من الأشقاء في سوريا! وبعد الطائرات جاءت البوارج والمدمرات، وتتحول المدينة كلها الى هدف لجحيم من النيران.. ومع النيران كان القصف الجوي يمتد الى كل مصر ليتم تدمير المطارات وتعطيل سلاح الجو. ووسط الغارات الجوية يخرج عبدالناصر الى الجامع الأزهر، ومن المنبر الذي يحمل أعظم تاريخ لمقاومة شعب تنطلق الصيحة الخالدة «سنقاتل.. ولن نسلم».. وتنطلق الجماهير وراء الرجل الذي أصبح عنوانا للمعركة. ويتوارى صوت بعض «باشاوات» العهد البائد الذين ظنوا أن هذا موعدهم لاستلام الحكم، وتتوارى أيضا أصوات لرفاق المسيرة ظنت أن «ناصر» هو الهدف، ونصحته بالاستسلام، فجاءتها كلمة الشعب تحمل الرد الذي لم يكن هناك مجال لغيره.. سنقاتل، ولن نسلم. كان العدو يظن أنه سيستولي على مدينتنا الصغيرة في ساعات، وسينطلق منها للاستيلاء على باقي مدن القناة واستكمال السيطرة عليها وفرض الأمر الواقع، ثم الانطلاق بعد ذلك لإسقاط النظام.. إذا لم يكن قد تم إسقاطه من الداخل كما كانوا يتوقعون. لكن كل الحسابات ذهبت أدراج الرياح. لم يكن في مدينتنا الصغيرة قوات عسكرية بالمعنى المفهوم. فالمدينة ـ من الناحية الاستراتيجية ـ لا تصلح للدفاع عنها بالمقاييس العسكرية لهذا الوقت. إنها شبه جزيرة تكاد تحيطها المياه من كل جانب وتعزلها عن باقي الوطن، الذي لا تربطها به إلا طريق صغيرة في الجنوب وأخرى الى الغرب يمران على اثنين من الكباري العتيقة التي تم ضربها منذ اللحظات الأولى للقتال لاستكمال عزل المدينة. كانت القوات العسكرية في المدينة لا تزيد عن بضعة مدافع قديمة لحماية السواحل وحامية صغيرة من بضع عشرات من الجنود. وبالصدفة كان قطار صغير قد وصل الى المدينة قبل ساعات من بدء العدوان يحمل بنادق صغيرة روسية الصنع لاستخدامها في تدريب المدنيين استعدادا للمعركة. واستولى الأهالي على القطار وتم توزيع البنادق على المواطنين، وبهذه البنادق وببضعة رشاشات وببعض القنابل اليدوية، صمدت المدينة لجيوش وأساطيل إمبراطوريتين سبعة أيام كاملة. لم ينقطع فيها قصف الطائرات ولا قنابل الأسطول. واضطرت فيها قوات الغزو لتطويق المدينة بالحرائق.. ومع ذلك فلم تستطع احتلال المدينة إلا بخدعة، حين أطلقت مكبرات الصوت تعلن أن الغزو قد توقف وأن دبابات سوفييتية ستدخل المدينة للمساهمة في حمايتها، ودخلت بعد ذلك دبابات الغزو وهي ترفع الأعلام السوفييتية واصطف الأهالي لتحيتها، لتوجه مدافعها بعد ذلك اليهم في مذبحة راح ضحيتها الآلاف. ملحمة الصمود ملحمة الصمود في المدينة الصغيرة أعطت الفرصة للعالم كله أن يتحرك. الوطن العربي كله تحول الى بركان من الغضب، والرأي العام حتى في دولتي العدوان (فرنسا وبريطانيا) رفع راية الاعتراض، والاتحاد السوفييتي أنذر بالتدخل العسكري، والولايات المتحدة وجدت مصلحتها في إنهاء العدوان لتحاول بعد ذلك وراثة الإمبراطوريتين العجوزتين. وتجتمع الأمم المتحدة. ويجد الأعضاء أمامهم صور العدوان التي تم تهريبها من بورسعيد لتطير في طائرة خاصة الى أميركا. ويصدر قرار إيقاف الحرب، وتضطر دول العدوان للقبول به.. بعد أن تلاقت إرادة موسكو مع واشنطن، وكان ذلك هو الإقرار بالهزيمة كاملا. وتبدأ مرحلة جديدة تعيش فيها المدينة تحت الاحتلال انتظارا لتنفيذ القرار الدولي الذي كان العدو يحاول المماطلة في تنفيذه.. ولم تتركه المدينة يهنأ يوما واحدا. فقد اشتعلت المقاومة تطارد قوات الاحتلال في كل مكان.. كانت كل سيارة تمر في المدينة هدفا للقنابل، وكل دورية تسير في الشوارع تنتظر من يباغتها، حتى اضطر الجنود لأن يسيروا وأيديهم مقيدة في أيدي بعضهم لكي لا يتعرضوا للاختطاف. وعاشت المدينة ما يقرب من الشهرين في أصعب الظروف.. الغذاء حفنات من الأرز وبعض العدس والبقول التي استولت المقاومة عليها من جمرك المدينة. وحظر التجول يسري مع غروب الشمس، ولا موارد لمدينة كانت تعيش يوما بيوم على البحر والميناء. وفي هذه الظروف الصعبة يعرض الاحتلال أجورا خيالية لمن يعمل لديه.. فلا يجد واحدا يقبل، ويحاول أن يستميل قلب المدينة فيعصي عليه، ويحاول أن يشق الصفوف فيتعانق الهلال والصليب في مواجهة العدوان.. وحتى الأجانب الذين كانوا يعيشون في المدينة كانت بينهم جالية يونانية كبيرة وقفت بكل قوتها ضد الغزو، والكثيرون من الطليان وغيرهم وقفوا نفس الموقف. ورغم كل شيء كان العدو يحاول أن يخرج بشيء، وكانت قوات الغزو تحاول أن تثبت أقدامها لكي تنتزع تنازلا من مصر بشأن القناة. وكانت معركة سياسية هائلة يديرها عبدالناصر بكفاءة نادرة لانتزاع الاعتراف الدولي الكامل بسيادة مصر المطلقة على قناة السويس، بينما كانت فرنسا وبريطانيا تحاولان إبقاء قواتهما على شاطئ القناة لفرض المشاركة في إدارتها. وتفشل كل المناورات والضغوط السياسية، ويتحول الاحتلال الى «كابوس» للجيوش الفرنسية والبريطانية، وفي ليلة لا تنسى تتسلل آخر جيوش الاحتلال من بورسعيد، وتصحو المدينة صباح «23 ديسمبر» من هذا العام الفاصل في تاريخ البشرية (1956) وقد تحرر ترابها من الاحتلال. تتوضأ بورسعيد بمياه القناة ثم تصلي صلاة الانتصار. ينطلق الناس في الشوارع يعانقون بعضهم ويعانقون الهواء والشمس والأشجار وطيور البحر ورمل الشواطئ. تنفجر طاقات من الفرح الطفولي تملأ كل شبر في المدينة التي تهدمت مبانيها ولكن لم تنكسر إرادتها. حتى عندما زحف الناس الى المقبرة التي دفنوا فيها آلاف الشهداء لم يكن للحزن ولا البكاء مكان. قرأوا الفاتحة، وأدى البعض الصلاة، واختلطت مشاعر الأسى بالكبرياء النبيل، ثم عادوا يعانقون الحياة التي يعشقونها. على مر السنين.. كنت في كل عاصمة عربية أزورها أجد اسم مدينتي على أهم شوارعها ومستشفياتها ومدارسها. وحتى الآن تحمل شوارع مدينتي ـ في معظمها ـ أسماء شهدائها، ويحمل هواؤها الى صدري كلما عدت إليها طعم الشهادة وريح الجنة. مدينتي مازالت تهوى التمرد وتكره الرتابة، ولا تعطي قلبها إلا لمن ذاب في عشق الوطن، مثلما أعطته لذلك الرجل الذي جاء من صعيد مصر ليقود الثورة.. ويسير بالأمة في الطريق الصعب النبيل نحو الحرية والعدل والوحدة. .. وتمر الأيام وتختلف الظروف، ويتم إلغاء احتفال الوطن بيوم النصر العظيم حتى لا نجرح مشاعر الأعداء الذين لم يعودوا كذلك(!!). لكن مدينتي لا تنسى، وفي (23 ديسمبر) من كل عام تطل بعيونها وقلوبها الى الطريق من المطار الصغير الى قلب المدينة.. حيث كان موكب «الفارس» يأتي في كل عام. تحلم أن يعود ليبشرها مرة أخرى بالعدل والحرية والنصر الأليم.. ومازالت المدينة تحلم وتنتظر! ـ نائب رئيس تحرير «أخبار اليوم» المصرية

طباعة Email