الاحد 4 صفر 1424 هـ الموافق 6 ابريل 2003 في هذه الحرب الظالمة تحتفظ الجبهة الإعلامية وحدها بدرجة عالية من الالتهاب دون غيرها. حين يشتد القصف أو يهدأ تظل مدافع الحرب النفسية، تعمل وتتقاطع نيرانها عبر أجهزة الإعلام المختلفة. غير ان الأداء الاعلامي لم يشبع نهم الجميع. بعض رمى الإعلام بالقصور. بعض اعتبره الضحية الأولى لهذه الحرب. ربما الحقيقة هي الضحية الأولى. كل الأطراف كانت تراهن على متابعة الحرب على الشاشات البلورية. ذلك رهان استند الى تجربة حرب الخليج الثانية التي شكلت فتحاً للحرب التلفزيونية. بعض الأطراف تناست أو اغفلت جهود محترفي إدارة الحرب النفسية في استثمار ذلك الاختراق. القوات الغازية حرصت على تأمين مقاعد لمراسلين في أرتالها وأسرابها ظناً منها انها تخوض «حرباً نظيفة» أشبه بالنزهة. حينما اكتشفت انها مجبرة على «حرب قذرة» عمدت الى تجنيد المراسلين المرافقين. الذين رفضوا الاستسلام للأوامر العسكرية دفعوا ثمن الالتزام بقواعد المهنة. التصور الخاطيء لطبيعة المعارك دفع عدداً غير قليل من المراسلين للبقاء في الخطوط الخلفية أو المواقع الآمنة بعيداً عن بؤر القتال. ضباط الحرب النفسية حولوا هؤلاء المراسلين الى ناقلي بيانات. تناقض البيانات العسكرية ساهم في تفريغ الرسائل الإعلامية المنقولة من المصداقية. التصور الخاطيء لمهمة المراسلين ساهم كذلك في الإحباط العام. المحطات الفضائية اعتمدت على عدد الموفدين دون أن تأخذ في الاعتبار القدرات النوعية، كل الرسائل مبنية على التوصيف الانطباعي ونادرة تلك التي تتضمن معلومات جوهرية وأقل منها التي تتحدث عن بيانات احصائية خارج أرقام الخسائر والأرباح الرسمية. ارتباك الخطاب الاعلامي للأطراف المعنية ناجم عن استهدافه أكثر من طرف واحد. أميركا تتعمد وصول المواطن العراقي وعسكر الحرس الجمهوري والرأي العام الدولي في وقت واحد. غاية الخطاب الأميركي ترويج الحرب في إطار إنساني. كل الحروب الاستعمارية التقليدية اكتست هذا الزي منذ القرن التاسع عشر. مقابل الصورة المزوقة لجندي يقدم خدمة إنسانية لعراقي أو عراقية يصاب أي عربي بحالة من الغليان أمام صورة جندي يخدش كرامة مواطن عراقي أو عراقية على أرضها. الخطاب العراقي يتعمد الاكتساء بالمصداقية ضمن تسويق القدرة على الصمود. الصحاف يحاول استبدال لغته في المؤتمر الصحفي الواحد في محاولته توصيل الرسالة. من الممكن استيعاب الضغط النفسي الذي يتعرض له وزير إعلام في خضم الحرب لكن لغة السباب لا تنجح في الإقناع دائماً. المحللون العسكريون المنتشرون عبر الفضائيات يواجهون اختباراً يومياً، المعارك تضع رؤى هؤلاء المتقاعدين على محك العمليات. كثير من تحليلات الخبراء مبنية على فرضيات أكثر من استنادها الى معلومات موثقة. من ذلك الحديث عن فرق الحرس الجمهوري، مثلاً. من حق المرء أن يتساءل عمّا إذا كان الفكر الاستراتيجي لهؤلاء المتقاعدين يواكب المستحدث منه أم انهم يعتمدون على مخزونهم الذي يعود الى ثمانينيات القرن الفائت في أفضل الحالات. التساؤل أفرز انطباعاً عن تناقض رؤى الخبراء وسير العمليات على الأرض. ربما يوّلد الانطباع نفسه سؤالاً أكثر الحاحاً عمّا إذا كان قادة أركان عمليات القوات الغازية يفيدون من حديث الخبراء المتقاعدين المجاني على الهواء. تتناقض البيانات العسكرية والتصريحات السياسية وتبقى الكاميرا وحدها أصدق إنباء من الكتب في هذا العصر التلفزيوني. لهذا تبقى الشبكات الفضائية مساحة معركة ساخنة في كل حرب. الاحباط العام لا يقلل من جهد تبذله فضائيات عربية قد يكفيها انها كسرت الاحتكار الغربي في تعمية الرأي العام. كلما تقدمت تكنولوجيا القتل والتدمير، كلما أصبحت الحرب النفسية أكثر شراسة. تلك هي خلاصة حرب الخليج الثالثة