الاحد 4 صفر 1424 هـ الموافق 6 ابريل 2003 جاءني صوته عبر هاتف المكتب يسرد لي تجاربه مع فتيات أوقعنه في حبائلهن وأوهمنه باستعدادهن للزواج منه، وهو الرجل المتزوج من امرأتين ليكتشف في نهاية الأمر وقوعه ضحية عمليات نصب واحتيال، وتبين ان كل ما كانت تهدف إليه تلك الفتيات هو ماله فقط، رغم تأكيده انه موظف بسيط. وهذا الشاب الذي يؤيد بقوة مسألة تعدد الزوجات إلى حد انه مستعد، كما ذكر، لأن يتزوج بكل من تقبل أن تصبح زوجة ثالثة أو رابعة ليكمل النصاب الذي سمح به الشرع إيماناً منه بأنه بذلك يقدم خدمة جليلة للمجتمع بانقاذ فتيات من شبح العنوسة. أخذ يسرد عليّ تفاصيل دقيقة وطويلة حول الحادثتين اللتين تعرض لهما لدرجة انني واجهت صعوبة في متابعة كل ما يقول، فطلبت منه ارسال فاكس بالتفاصيل. والزبدة التي استخلصتها من كلامه، انه أثناء سعيه لتحقيق حلمه بجمع الزوجات الأربع، خسر ما يقارب السبعين ألف درهم في شيكات حررها للفتاتين اللتين وعدتاه بالزواج وهربتا منه بمجرد وضع أيديهما على نقوده. ويهدف الأخ المتصل من حديثه الى القاء الضوء على ظاهرة جديدة على مجتمعنا، هي تورط فتيات مواطنات في جرائم نصب واحتيال، فالأولى استطاعت أن تحصل منه على حوالي 25 ألف درهم ببطاقة مزورة ومن خلال انتحال هوية أخرى، والثانية حلبت منه ما يقارب الخمسين ألف درهم على شكل قروض و«فلَّتْ». ورغم انه كان في الحالتين الضحية، إلا انني لم استطع حمل نفسي على التعاطف معه أو التفاعل مع قضيته، لأن تفكيري وتعاطفي ذهب لزوجتيه القابعتين في المنزل اللتين التهى عنهما بالجري وراء أي أنثى ترغب به زوجاً دون أي اعتبار لمعاني الوفاء والاخلاص الزوجي. والحقيقة ان تبريراته في موضوع تعدد الزوجات كانت واهية، فرغم تمسّكه بالحق الشرعي الذي وهبه الإسلام للرجال، وتغاضيه عن الضوابط التي وضعها ديننا لتنظيم هذه المسألة، إلا ان المؤسف في الأمر هو ان كل ما يعرفه الرجال ممن هم على شاكلة المتصل هو هذه الجزئية من الدين والفقه التي يتشبثون بها بشدة ويتناسون تعاليم الخالق الأخرى في غيرها من جوانب الحياة. فحينما يتعلق الأمر بمراكمة الزوجات يدّعون انهم شيوخ في الفقه والدين، في الوقت الذي لا يمانعون فيه من الانزلاق في المحرّمات من خلال مهاتفة ومواعدة الفتيات وملاقاتهن في الخفاء. ويجادل الأخ بأن تعدد الزوجات هدف وطني وانساني نبيل، وان العدل بين الزوجات أمر بمقدور أي رجل الالتزام به، إلا انه يعود ويقول ان المرأة بطبيعتها كائن يصعب ارضاؤه، وبالتالي فإنه مهما حاول الرجل أن يعدل بين زوجاته فإن ذلك أمر صعب في جميع الأحوال، وهي الفكرة الخاطئة التي يتحجج بها معظم الرجال. ولا أدري كيف يتحقق مبدأ العدل مع زوجتي هذا الشاب ووقته وماله واهتماماته كلها تغذي ميوله «النسوانجية». بيد أن أكثر ما استفزني في حديثه هو تشبيهه للمرأة التي لا تتزوج كورقة جافة في مهب الريح دون أي اعتبار للانجازات الأخرى التي قد تكون حققتها في حياتها، في حين لا ينظر للرجل الذي يعيش ويموت وحيداً بالنظرة ذاتها حتى لو كانت انجازاته في الحياة لا تذكر. فالمرأة لم تخلق فقط للتزاوج والتكاثر، وحتى لو لم يكتب لها الزواج أو الانجاب، فهي كائن له عقل واهتمامات فكرية ومهنية، وأحياناً يكون عدم زواجها رحمة بأهلها، فهي ابنة حانية على والديها في شيخوختهما، وهي عمة حنونة أو خالة مربية، وعدم زواجها لا يعني بالضرورة نهاية حياتها أو أن تمضي عمرها بانتظار ذلك المنقذ الذي سيتعطف ويضمها لقائمة الأربع ويسبغ عليها بكرمه الشديد لقب زوجة فلان أو بالأحرى احدى زوجاته. ويلمّح المتصل إلى ان الأجدر بالمرأة أن تقبل بأن تكون زوجة ثالثة أو رابعة على أن تبقى عازبة وتعوض عن حرمانها بعلاقات غير سوية على حد قوله، وبذلك فإنه يفترض أنه لا يوجد في المجتمع إلا هذين النموذجين: المتزوجة المستقيمة أو العاذبة المنحرفة، وكأن الانحراف خصلة أساسية في المرأة ستظهر حتماً إن لم تعالج بالزواج، وهو ما أجد فيه اساءة بالغة للمرأة. ولعل الأخ يجهل أن هناك الكثير من النساء غير المتزوجات ممن هن متفرغات لشئون الدين والعبادة أكثر من المتزوجات، وهن بخلاف الرجال، لا يمتلكن تلك الطبيعة الشبقة التي تجعلهن يلهثن وراء الذكور، وهي الحكمة الالهية التي تهدف إلى حماية المجتمع من الفوضى، وإلا لشاعت الفاحشة وانفلتت الأمور، وما تلك سوى النظرة الضيقة المحدودة التي تعشش في أذهان أغلب الرجال. وليعذرني الأخ مجدداً على عدم قدرتي التعاطف معه، وليكن على يقين بأن ما حصل له إنما هو ثمن لتهافته وجريه اللاهث وراء النساء.