صدمة الرخ العراقي، بقلم: لهيب عبدالخالق

السبت 3 صفر 1424 هـ الموافق 5 ابريل 2003 يمكن للمرء أن يشاهد على ساحات الحرب الكثير مما يتعدى الجثث البريئة والمجازر والحضارة التي تضرب بلا وازع، فهناك كرامات كثيرة هدرت على مذبح العراق ليس آخرها الكرامة العربية، وهناك مصداقية الدولة العظمى سقطت في رهان خاسر، وهناك المنظمة الدولية والمجتمع العالمي برمته كان مشروعا للقصف. ولعلي لا أبالغ إذا قلت أن الاستراتيجية الأميركية بدت بعد أكثر من خمسين عاما عاجزة عن أن تثبت كونها استراتيجية بعد أن تفتت أحجارها في رقعة رخ عراقي لم يملك سوى آلة حرب تبدو اليوم مع تكنولوجيا الكاوبوى لعبة أطفال، لكن المعادلة رغم ذلك انقلبت، وببندقية قديمة منذ عهد الإنجليز في عشرينيات القرن الماضي اسقط رجل عجوز، بلا أي استراتيجية وبلا أي تكتيك أو جيوش مطهمة، وحش دمار وكلنا رأى النظرة في عينيه، لقد سقطت أميركا برمتها على أقدامه الكادحة. ورغم إن أشياء مهمة تحققت على ساحة الحرب العراقية الأميركية، مثل انتحار الصقور والكروز وسقوط نظريتي التفوق العسكري والإعلامي الأميركيتين، إلا إننا نجد أن هناك نقصا في عناصر المشهد الدرامي، فلا أحد يعرف مثلا ماذا سيحدث إذا طال أمد الحرب وشمل دولا أخرى، وكيف ستمنع فرنسا أميركا من الاستحواذ على حكم العراق وقصرهذا الحكم بها. أحجار أخرى تشكل أركان الدومينو الأمرو- بريطانية نجدها تتهشم على صخرة الواقع تباعا بدءا من استقالة أمير الظلام ريتشارد بيرل فالارتباك الذي أصاب الإدارة الأميركية، ثم الخلاف الذي نشب بين الأميركيين والبريطانيين أنفسهم مما دفع بريطانيا للبحث عن جدار تستند إليه بعد إدراكها تورطها مع الأميركيين ومحاولتها مغازلة الفرنسيين من جديد، وأخيرا تداعيات الحرب على الصقور انفسهم. وبالطبع فان الأمر الأشد أهمية هو تداعي جدران الخطط العسكرية التي عولت على «نزهة» في العراق فإذا بها تغوص في مستنقع لاقرار له ولا نهاية، لقد شفى غليل الذين يبغضون الأميركيين لعنجهيتهم وانحيازهم لإسرائيل، رؤية الجنود الأميركيين وهم يتشردون في الصحراء العراقية مهددون بالجوع وبمقاومة عراقية لا تخشى آلتهم المتطورة وبموت لا يعرفون من أين يأتيهم أمن صديق أم من عدو. العالم بعد أسبوعين من الغزو الأمرو - بريطاني على العراق محطات مشوشة للسياسة الدولية، فالكثير من التوقع كان لا يصمد دقيقة واحدة وينهار تحت وقع الصواريخ والقنابل الأميركية وتحت حقائق يفرضها الواقع خلافا لكل النظريات. في العالم العربي نجد أن الذين راهنوا على سقوط بغداد يعيدون الآن الحسابات من جديد، والذين وقفوا بشجاعة مع الخسارات التي يدركون حجمها يتوجسون تفوق القوة الأميركية، والعالم الغربي لايجد لنفسه منفذا وهو بشقيه المعارض للحرب والمؤيد لها اسقط نافذته الوحيدة عندما جمد مجلس الأمن وتركه ينزف حتى الموت. الأسئلة التي أصبحت كابوسا مزعجا للجميع تتركز في سؤال واحد لا غير: أية معادلات ستنقلب بعد معادلة «الصدمة والرعب» العراقية ؟ أوراق كثيرة مازالت في الجيوب منها إجابة مغفلة عن اتفاقية سوفييتية عراقية استراتيجية ورثتها روسيا من ضمن ما ورثت عام 1990، وبقيت الإجابات همسا بين متوقع من دعم روسي قد يعبر سوريا أو إيران إلى العراق، وبين اتفاق عراقي روسي على الصمود ثلاثة أشهر فقط، وبين ورقة غامضة تنتظر الوقت المناسب هي ما يستدل بها على قوة الثقة العراقية بالنفس وبحصانة بغداد، ولعل في قول الخبراء من إن دخول الأميركيين بغداد يكشف الأسرار الروسية وهو أمر أكثر من خطوط حمراء تحيط بغداد وأسرارها. وهناك التخبط العسكري الأميركي الذي بدأ يقع في المحظورات عندما كشف أوراقه واتفاقاته المستورة ومنها ما ورط الصين في فضيحة بيرل، وهي الصديق الآسيوي الذي سكت وفهم الجميع لماذا بقيت صامتة أمام قرار الحرب وامتنعت عن التصويت، ومنها فشل الخطط العسكرية وصراع الصقور أنفسهم مع بعضهم البعض الذي كانت آثاره تنعكس بشكل أوضح في تخبط القوات الأميركية البريطانية التي بدأت تقتل بعضها وهي تدور في أكذوبة الشعب الذي سيستقبلهم بالورود وتغرق في وهم قوتهم العظمى. الحرب التي كشفت عورة الجميع ممن فقد قوميته ونزاهته ومبدأه فضحت حقيقة النظام الذي عملت الولايات المتحدة عقودا من أجل أن تبلغه، لقد عول الأميركيون أولا على سقوط المعسكر الشيوعي الذي بنوا وفقه استراتيجيتهم وعندما سقط لم يجدوا عصا يتوكأون عليها سوى الحروب التي اعتقدوا أنها تعزز تفردهم بالعالم، ولم ينظروا إلى ما بين أقدامهم من تاريخ لم يكن تاريخا وقوة ليست بأقوى من إرادة الشعوب. والواقع المعروف إن كل تاريخ أميركا مستعار، فدستورها بني على نظريات جون لوك الإنجليزي، واستراتيجيتها بنيت على أساس مجموعة استراتيجيات اوروبا وآسيا في ما بين الحربين، حتى حربها الحالية على العراق أخذت خطتها من الخطط الانجليزية التي غزت العراق عام 1915 ، والذي يعود للتاريخ سيجد ان الأميركيين يطبعون أقدامهم على طبعات الأقدام الإنجليزية التي سبقتهم بالغزو وخرجت ذليلة منكسرة. وفي الواقع يكفي أن تستنزف الحرب على العراق أميركا وبريطانيا في مستنقع قال المحللون منذ الوهلة الأولى انه أشبه بمستنقع فيتنام، لكن العراق عقدة أبعد من فيتنام وجميعنا يذكر 1958، والأميركيون لا يعرفون الشعب العراقي، انه شعب لا يعرف الخضوع ولا البكاء، يتجرع آلامه ويكفن نفسه بترابه، أشجاره وأرضه وماؤه وعصافيره وحتى رياحه تقاتل معه ويقاتل معه عشرة آلاف عام منذ بدء التاريخ هي عمر حضاراته جميعا والتي لم تدفنها أية حرب، انهم أباة وجبارون وذوو بأس وعزة، ولا ينامون على ضيم أبدا، مما لا يوجد عند أي جندي أميركي، هؤلاء هم أهلي، وهم اليوم فخر للعالم شاء أم أبى.

طباعة Email