السبت 3 صفر 1424 هـ الموافق 5 ابريل 2003 «أطلق النار على رأس رجل، وحزّ عنق التالي له بسكين واغتصب زوجته وأحرق المنزل والباقون سيلوذون بالفرار» عبارات وردت في شهادة لوزير الخارجية الالماني على كارثة البلقان نهاية شهر مارس عام 1999. هذه اكثر الاستراتيجيات بدائية وهي ما تطبقه اميركا واسرائيل في المنطقة العربية بنجاح باهر خاصة هذه الايام. في الاسبوع الاول من الهجمة على العراق ثارت اسئلة كثيرة وواجه المسئولون الاميركان والبريطانيون موجة من الاستفسارات حول شرعية الحرب واخلاقياتها، لدرجة جففت حلق توني بلير رئيس الوزراء البريطاني، وجعلته يأخذ مالا يقل عن عشر رشفات من كوب ماء وضع امامه خلال اقل من خمس دقائق، وذلك في مؤتمر صحفي عقده عصر الثلاثاء قبل الماضي. غير ان قادة الحروب دائماً ما يصمون آذانهم، فالوليمة التي تداعى اليها اطراف الحرب كبيرة وشهية.. ولا احد يسأل عمن يدفع نفقات الحرب. فالنفقات يدفعها للمرة الاولى في التاريخ المعتدى عليه والذي يفترض ان يقع تحت الاحتلال. منذ ايام وقف المخرج مايكل مور صاحب كتاب «رجال بيض اغبياء» والفائز باحدى جوائز الاوسكار هذا العام (جائزة الفيلم الوثائقي) وقف على خشبة المسرح كي يتسلم جائزته وصاح قائلاً «نعيش في زمن وهمي، يدفعنا رئيس وهمي لحرب ذات اسباب وهمية.. عار عليك يا سيد بوش.. نحن ضد هذه الحرب يا سيد بوش». ضاعت صرخة مايكل مور في الهواء مثلما ضاعت ملايين الصرخات التي خرج اصحابها في اكثر من ستمئة مدينة حول العالم يصرخون «لا دم مقابل النفط» غير ان منطق الدم هو الذي انتصر في النهاية. ولأن هذه الحرب استعمارية من الفها الى يائها، فإن منطق المستعمر هو الذي تم تعميمه في مواجهة رافضين لهذا الاستعمار، غير ان هذا الرفض لا تسنده قوة تستطيع مواجهة بغي الولايات المتحدة وترسانتها العسكرية في فاصل تاريخي مخز للانسانية بأكملها. ولأن الولايات المتحدة دولة نشأت بأسوأ طرق الاستعمار (الإحلالي) فإن حياتها لن تدوم الا اذا ظلت دولة مستعمرة تنهب خيرات الاخرين وتمص دماءهم، فإذا ابتلعت لقمة كبيرة تتوقف قليلاً حتى تتمكن من هضمها، وخلال فترات الهضم هذه لا بأس من رفع شعارات انسانية، وذلك ما فعلته اميركا طوال النصف الاول من القرن الماضي، فلما حل نصفه الثاني وجدت من يكف يدها واضعاً يده على الزناد طوال الوقت، ومع ذلك فقد واصلت جرائمها لدرجة دفعت نعوم تشومسكي الى القول ان الرؤساء الاميركيين منذ الحرب العالمية الثانية وحتى الان مجرمو حرب، وعندما سقط الاتحاد السوفييتي عادت اميركا الى حقيقتها، وجهاً بشعاً يخلو من كل انسانية ومبادئ. خلال حرب عاصفة الصحراء (1991) كانت القنابل تتساقط على بغداد، وغمرت مشاعر الطيارين بهجة غير مسبوقة عبر عنها احدهم بالقول «شعرت بالبهجة وانا ارى مشهد بغداد وهي تقصف، كان المشهد مثل زينة اعياد الميلاد!!». وحينما بدأ جورج بوش الصغير.. (السيد بوش بوصف مايكل مور) حشده الاخير ضد العراق كتب الجنود على بنادقهم شعارات منها قادمون الى بغداد، فيما كتب جنود اخرون ارقام الرحلات الجوية التي اختطفت في الحادي عشر من سبتمبر، ولم يكن تصرف الجندي الذي انتزع العلم العراقي من على احدى الثكنات الحكومية في ام قصر ورفع بدلاً منه العلم الاميركي، لم يكن تصرفاً فردياً، ولا خطأ ارتكبه الجندي، وانما تعبير عن مكنون ما في نفوس كافة الجنود، فكل منهم يشوع ليس مرسلاً هذه المرة برسالة سماوية، وانما مرسل من قبل شركات النفط. العراق بأهله وحضارته التي تضرب بجذورها في عمق التاريخ ليس لقمة سائغة وان كسرت ظهره الحملة العاتية الحالية، كم من غزوات مرت عليه، وكم من مقاومة بطولية سطرها ابناؤه في مواجهة المستعمر، وفي كل مرة كانت ارادة العراقيين اقوى من كل احتلال مهما قويت شوكته. في الواحد والعشرين من نوفمبر عام 1914 جاءت القوات البريطانية (ايام كانت بريطانيا امبراطورية لا تغيب عنها الشمس) نزل جنودها في الفاو واحتلوا البصرة وحينما كانوا يتقدمون تجاه بغداد استبسل العراقيون بسالة منقطعة النظير لدرجة اثارت غيظ وحقد المحتل، فلم يكن الانجليز يتصورون ان تكون مقاومة الشعب العراقي بالقوة والبأس الذي ذاقوه رغم تقدم الامكانات العسكرية البريطانية وتخلف الامكانات العراقية، لعلنا نطالع ابرز صور ذلك الغضب على مقاومة العراقيين في كتابات ارنولد ويلسون احد قادة الحملة البريطانية اذ كتب بالحرف الواحد «أود ان اعلن انه من الضروري ضم بلاد ما بين النهرين الى الهند، بحيث تكون مستعمرة للهنود، وتقوم الحكومة الهندية بادارتها وزراعة سهولها الواسعة بالتدريج وتوطين اجناس البنجاب المحاربة فيها». ما يحدث الان ليس اكثر فظاعة مما حدث في الماضي، ومع ذلك فإن المحتل ذهب الى مزابل التاريخ وبقي العراق.. الان هناك موجة اخرى بنفس الوجوه الشائهة، ولأن المستعمر غبي بالفطرة فهو يتصور انه لن يهزم يوماً. التاريخ كما يقول بعض سدنته يكاد يكون حرباً تلد اخرى، ومن سنن الله في الارض ان ينتصر المنهزم وينهزم المنتصر، ليس مطلوباً منا ونحن نواجه هذه الموجة الجديدة من الاحتلال ان نحيد مشاعرنا ولا ان نغسل ادمغتنا. لا ضمير اذن في هذه الحرب، لا ننتظر عهوداً ولا مواثيق دولية، فحينما تتحدث قذائف اليورانيوم تصمت الاخلاق، وحينما تدك قاذفات بي 52 المدن تسقط ورقة التوت عن الانسانية. جان بول سارتر الفيلسوف الوجودي الشهير شارك في معارك الحرب العالمية الثانية، وأسره الالمان وفي الاسر كتب يومياته الشهيرة وفيها عبارة تقول «انا لم اعد كما كنت، شخصيتي لم تتغير، لكن وجودي تغير من وجود في العالم الى وجود من اجل الحرب». على كل منا ان يكون كذلك، حتى نقهر هذا الاحتلال الجديد الذي يضع قدماً في بغداد ويتلمس بأصابع قدمه الاخرى كل العواصم العربية وصولاً الى مقديشيو جنوباً والرباط غرباً ليعرف اي مكان يمكن ان يضعها فيه!