الأكراد.. الخاسر الأكبر، بقلم: احمد عمرابي

السبت 3 صفر 1424 هـ الموافق 5 ابريل 2003 أيا تكون نهاية الحرب الدائرة التي تخوضها أميركا في العراق فان الخاسر الأكبر سيكون أقلية الأكراد في الشمال العراقي. ففي حالة انتصار أميركي (لا قدر الله)، لن تمنح الإدارة الاحتلالية المركزية في بغداد للأكراد ما يصبون إليه من حكم ذاتي. وفي حالة هزيمة أميركية فان المليشيات الكردية التي تقاتل الآن النظام الحاكم العراقي ينبغي ألا تتوقع من هذا النظام سوى عمل ثأري. لمدى 12 عاما منذ حرب الخليج السابقة التي مني فيها النظام الحاكم بهزيمة عسكرية حاسمة ليواجه بعد ذلك حصار العقوبات الدولية القاسية عاشت الأقلية الكردية في حالة استقلال في منطقتها في الشمال العراقي. وبعد أن تصالح الحزبان الكرديان المتنافسان مؤخراً ـ بزعامة كل من برزاني وطالباني ـ تحول الكيان الكردي المستقل الى ما يشبه دولة كاملة السيادة لها مؤسسات سلطوية كبرلمان ومجلس وزراء وآلية للسياسة الخارجية. لكنه كان استقلالا زائفا. ذلك ان هذا الكيان الكردي ظل يعتمد في بقائه على حماية خارجية اميركية. وقد نأت السلطة المركزية في بغداد بنفسها تماما عن التحرش بهذا الكيان خصوصا بعد أن انشأت الولايات المتحدة نظام «مناطق الحظر الجوي» الذي بموجبه لم تتوقف طلعات الطيران الأميركي فوق أجواء المناطق الكردية في الشمال والمناطق الشيعية في الجنوب وكان من الممكن أن تبقى هذه الصورة الزائفة لولا اشتعال العدوان الأميركي الأخير على العراق. بموجب الخطة الأصلية للحرب الأميركية كان من المقرر فتح جبهة في الشمال العراقي علاوة على الجبهة الجنوبية، ولهذه الغاية تضمنت الخطة دوراً معينا للمليشيات الكردية العراقية بأن تقاتل جنباً إلى جنب مع قوات أميركية ضد قوات الحكومة العراقية في الشمال، خاصة في كركوك والموصل، بؤرتي الثروة النفطية العراقية. والمكافأة التي طلبها الاكراد العراقيون عن هذا الدور ووافقت عليها واشنطن مبدئيا هي السماح لهم بضم هاتين المدينتين إلى كيان كردي تعترف واشنطن باستقلاله وتكون كركوك عاصمة له. لكن الخطة الأميركية تضمنت ايضا بعداً تركياً. فوفقا للخطة تبعث واشنطن بقوة قتالية من نحو 60 ألف مقاتل أميركي الى الشمال العراقي عبر الاراضي التركية. غير أن هذه الخطة ماتت بعد أن فوجئت الولايات المتحدة بأن أنقرة ترفض عبور قوات أجنبية عبر أراضيها. وحتى بعد ان وافقت الحكومة التركية أخيرا على السماح للطائرات الحربية الأميركية بعبور الأجواء التركية الى الشمال العراقي فانها اشترطت على الإدارة الأميركية أولا ألا تشجع واشنطن اكراد العراق على إنشاء كيان استقلالي كامل.. وثانيا أن تمنع المليشيات الكردية من احتلال كركوك أو الموصل، وفي المقابل تعهدت أنقرة بألا ترسل جيشا تركيا عبر الحدود الى الشمال العراقي. وهكذا وقعت واشنطن في مأزق بذل وعود متناقضة. ما هي الآن صورة الموقف على الأرض في الشمال العراقي؟ أولاً.. المليشيات الكردية العراقية المرابطة في جيبها الكردي الضيق مشلولة الحركة. لقد وافق القادة السياسيون للأقلية الكردية على وضع مليشياتهم تحت القيادة العسكرية الأميركية في الشمال العراقي. والقيادة العسكرية الأميركية إذ تريد لهذه المليشيات ان تشارك في مقاتلة القوات الحكومية العراقية فانها لا تريد لهذه المشاركة ان يتسع نطاقها لتشمل استيلاء كردياً على كركوك أو الموصل.. ففي هذه الحالة فان الجيش التركي المرابط على الخط الحدودي ويراقب الوضع بعيني صقر سوف يتدخل على الفور ـ ودون استئذان ـ من واشنطن ليسحق المليشيات الكردية قبل ان تصل إلى كركوك والموصل. لماذا؟ أولا: لا تريد أنقرة ان ترى كيانا كرديا مستقلا في المستقبل يدعم استقلاله اقتصادياً بامتلاك حقول نفطية غنية. ثانيا: لتركيا نفسها مطالبة تاريخية بمدينتي كركوك والموصل باعتبار انهما كانتا جزءا من الاراضي التركية خلال عهد الامبراطورية التركية العثمانية حتى نهاية الحرب العالمية الأولى عندما انهارت هذه الامبراطورية. لكن القضية مع ذلك أكثر تعقيداً. فالولايات المتحدة التي اشعلت الحرب ضد العراق من أجل الاستيلاء على صناعة النفط العراقية كأحد أهداف الحرب تضمر نية حرمان كل من تركيا والأقلية الكردية من ضم كركوك أو الموصل بعد أن تنتهي الحرب. فهي تعتزم مسبقاً إبقاء وضع هاتين المدينتين المهمتين على ما هو عليه كجزء من دولة عراقية تخضع لحكم إدارة احتلالية اميركية. وهكذا لن يحظى اكراد العراق في كل الأحوال بأي جائزة مهما تكن نتائج الحرب الدائرة.

طباعة Email