السبت 3 صفر 1424 هـ الموافق 5 ابريل 2003 لم تكن «كذبة ابريل» تلك الرواية المثيرة للسخرية التي كشفتها مؤخرا مصادر وكالة المخابرات المركزية الأميركية عن عملية اغتيال صدام حسين بمنشط جنسي أدمن استعماله منذ اختراعه.. فالمؤكد أن الرواية رغم غرابتها حقيقية.. فقد رصد عملاء الوكالة في العاصمة الأردنية عمان رجالا للرئيس العراقي يأتون متخفين الى هناك ويستخدمون الشفرة في اتصالاتهم السرية ويتصرفون وكأنهم سيقومون بعملية تفجير ارهابية.. وعندما أصبح هؤلاء الرجال تحت المراقبة الصارمة ليل نهار كانت المفاجأة محبطة.. انهم يقومون بشراء كميات كبيرة من عقار الفياجرا.. وعلى الفور فكرت الوكالة في استغلال هذه الفرصة لتحقيق هدف بعيد المنال وهو قتل العدو الأول لها في العالم العربي بتلغيم قرص فياجرا.. ورغم ان الفكرة رفضت فإن لا احد ممن نشروا الرواية كشف كيفية الاغتيال بقرص الفياجرا؟.. أو كيفية تلغيمه؟.. أو كيفية تفجيره؟. لقد فكرت الوكالة من قبل في قتل الزعيم الكوبي فيدل كاسترو بسيجار مسموم.. وفكرت في قتل الزعيم المصري جمال عبدالناصر بتسريب غاز سام عبر جهاز التكييف في مكتبه او بيته.. وفكرت في التخلص من الزعيم الشيلي سلفاردو الليندي بحقن ثمار البرتقال بفيروس يسبب مرض الزهري الذي ينتهي بمن يصاب به إلى الموت أو الجنون.. وقد بدت كل هذه المحاولات على غرابتها وصعوبتها قابلة للتصديق.. ولكن.. أن ينفجر الرئيس العراقي بقرص فياجرا مفخخ فذلك أمر يحتاج الى ماهو أكثر من الخيال. إن التخلص من صدام حسين ظل حلما وهدفا أميركيا صعب المنال.. وقد كشف بوب باير ضابط الوكالة الذي كان مكلفا بتحقيق ذلك الكثير من التفاصيل والاسرار في كتابه الذي صدر مؤخرا تحت عنوان «لا نرى الشيطان - القصة الحقيقية لجندي ميداني في وكالة المخابرات المركزية في حرب على الارهاب».. لقد كلف بمتابعة الرئيس العراقي بعد حرب الخليج الثانية والتخلص منه بالاغتيال أو بالانقلاب. في ذلك الوقت كان صدام حسين في أضعف حالاته.. وكانت معظم قادة الخليج يحلمون بإزاحته.. بل انهم وافقوا على فتح بلادهم للقوات الاميركية بشرط أن لا ينهض على الارض مرة أخرى.. فقد كان الجميع مقتنعون بأنه شخص يستحيل احتوائه.. ولا مفر من قتله.. لكن.. ذلك لم يحدث.. فقد شعرت إدارة الرئيس الاميركي الأسبق جورج بوش الاب بالنشوة من هزيمة القوات العراقية في الكويت بعد 100 ساعة فقط من الحرب البرية.. وقبل أن يواصل مطاردتها الى بغداد حسب الخطة المقررة قرر ايقاف الحرب قبل موعدها بيوم واحد.. فكان ماكان وجرى ما يجري. وبين خطأ الرئيس الأميركي الأب بنهاية حربه قبل موعدها بيوم واحد وخطأ الرئيس الأميركي الابن ببدء حربه قبل موعدها بيوم واحد اتسعت رقعة اخطاء وكالة المخابرات المركزية في التعامل مع صدام حسين ونظامه.. ان كل العمليات السرية التي كلفت بها ادارة الرئيس الاميركي السابق بيل كلينتون لم تذهب الى اخر الطريق.. لقد دبر بوب باير في منتصف التسعينيات من القرن الماضي بتنظيم مؤامرتين انقلابيتين واحدة في الشمال حيث الاكراد.. واخرى في الجنوب حيث الشيعة.. ولكن.. كان الفشل من نصيب المحاولتين.. فلم يكن يكفي تحريض الجماعات الدينية والعرقية المعارضة للنظام والمقهورة منه.. بل كان لابد من مساندتها بقوات غزو عسكرية.. وهو مارفضه جنرالات البنتاجون.. خشية ان تورطهم المخابرات المركزية في مستنقع جديد في العراق بعد أن تحرروا من عقدة المستنقع القديم في فيتنام.. كما أن ادارة الرئيس بيل كلينتون لم تكن ترى في اسقاط صدام حسين قضية ملحة.. واكتفت في تعاملها معها في حدود القصف الجوي الرمزي على المناطق المنزوعة السلاح والحصار الاقتصادي.. وكان تبرير ذلك.. ان هذه الإدارة كانت ترفع شعار «إنه الاقتصاد ياغبي».. وهو شعار دفعها الى تخفيض نفقات الدفاع وحجم القوات المسلحة وتوجيه كافة الاستثمارات والنفقات العامة الى خلق فرص عمل لملايين من العاطلين.. والمؤكد أنها نجحت في تحقيق ماأرادت. على أن وكالة المخابرات المركزية ظلت تلعب في الخفاء ضد صدام حسين.. فحسب مانشرته مجلة «نيوزويك» فإن بوب باير قام بتدبير محاولة انقلابية بواسطة تنظيم كونه من منفيين عراقيين.. لكن المخابرات العراقية نجحت في اختراق التنظيم ووضعت يدها على تفاصيل العملية.. بل انها حصلت على جهاز تليفون محمول يعمل عبر الاقمار الصناعية لأحد المشاركين في العملية.. وفي يوم 26 يونيو 1996 رن واحد من هذه التليفونات في مكتب الوكالة في عمان.. وحمل الاتصال رسالة من المخابرات العراقية الى من كان على الطرف الآخر من الخط تقول: لقد اعتقلنا جميع عناصركم وبوسعكم حزم حقائبكم والعودة الى بلادكم.. وكانت هذه هي نهاية العمليات السرية ضد صدام حسين.. فقد رفضت الإدارة الأميركية تنفيذ عملية التفجير بقرص الفياجرا.. واكتف بسماعها والسخرية منها.. وأغلقت هذا الملف تماما. لكن.. الإدارة الاميركية عادت وفتحت الملف من جديد بعد ان وضعت قضية العراق والتخلص من صدام حسين على رأس أولوياتها مستجيبة لضغوط اللوبي اليهودي في البنتاجون وعلى رأسه بول وولفو يتز نائب وزير الدفاع وريتشارد بيرل كبير مستشاري وزارة الدفاع.. وهما من غلاة اليمين الإسرائيلي.. وقد دفع رئيس الوكالة جورج تينت (الوحيد الذي بقى من الإدارة السابقة) الى طلب نحو 200 مليون دولار لهذه العملية.. وعلى الفور عاد يفتش عن صدام حسين. على أن صدام حسين راح من جانبه يلعب معهم لعبة البديل.. وهي لعبة تحولت الى لغز من الألغاز الشعبية في العالم كله.. فما أن يظهر الرئيس العراقي على شاشة التليفزيون حتى تخرج عيون الناس من محاجرها وهي تتفحصه متسائلة في فضول ترقب: هل هو صدام حسين بالفعل أم شبيهة؟.. وقد حول اللغز الى قضية حياة او موت طبيب شرعي ألماني هو الدكتور ديتير بوهمان الذي جمع اكثر من 450 فيلم فيديو عن صدام حسين وراح يحسب مساحة وحجم الأكتاف والرقبة والعينين والرموش والشبكية وتجاعيد الجبهة وملامح الوجه وبصمة الصوت.. ووضع نموذجا يمكن القياس عليه لمعرفة الحقيقة في كل مرة يظهر فيها الرئيس العراقي على شاشة التليفزيون.. وقد حسم هذا النموذج الجدل الذي أثير عقب بيان صدام حسين الذي ألقاه بعد دقائق من بدء الحرب الاخيرة.. إنه بالفعل صدام حسين.. وليس شبيها له.. وبهذا الاعتراف اصيبت المخابرات المركزية بضربه فشل اخرى تحت الحزام. لقد نجحت المخابرات المركزية في تجنيد ما وصفته بالجاسوس المثالي.. وهو واحد من رجال صدام حسين المقربين منه.. والمحسوبين على الدائرة الملتصقة به.. وهي دائرة تحظى بثقته.. وتنتمي الى قبيلته.. قبيلة «أبوناصر» ومنها أيضا كل رجال الفيلق الاول في الحرس الجمهوري (15 ألف مقاتل و4 ألوية مشاة ووحدة مدرعة مسلحة بالدبابات الروسية ووحدة دفاع جوي) الذين يحمونه شخصيا.. وقد نجح الجاسوس المثالي في تحديد نقطة ضعف الرئيس العراقي.. وهي مكان نومه كل ليلة.. وقد حدد ذلك المكان قبل ساعة صفر الحرب بيوم.. مما أغرى الرئيس الاميركي جورج بوش ببدء الحرب.. وهكذا جر الجواسيس العسكريين الى حرب لم يكن الاستعداد لها كافيا. إن خطة الحرب عادة تحتاج الى عامين على الأقل لتحريك آلة عسكرية ضخمة ومعقدة مثل الآلة العسكرية الاميركية.. لقد احتاجت خطة حرب فيتنام الى خمس سنوات.. وكانت خطة الحرب في افغانستان جاهزة قبل عامين من تنفيذها.. كانت جاهزا قبل أحداث سبتمبر وقبل اعلان الخوف من تنظيم القاعدة.. لكن.. خطة الحرب في العراق لم تأخذ الوقت الكافي في اعدادها.. ووضعت فقط على أساس المقارنة بين القوى المطلقة لطرفيها طبقا لما جرى في حرب الخليج السابقة.. ولم تأخذ الخطة في حسابها ان العراقيين سيحاربون هذه المرة دفاعا عن بلادهم وليس دفاعا عن البقاء في أرض الكويت كما كان.. كما انها لم تأخذ في حسابها انهم سيقاومون من أجل كرامتهم مهما كانت ضغوط النظام السياسي عليهم وقهره لهم.. كذلك فإن الدافع القومي للقتال لدى الجندي الأميركي والبريطاني غير متوافر.. فلا هؤلاء الجنود يدافعون عن بلادهم.. ولا هم يردون خطرا يهددها.. وهو ماجعل كثيرا منهم يتساءل ولو بينه وبين نفسه ما الذي افعله هنا؟ وما هذه الأرض التي انام وأقاتل عليها؟ ومن هؤلاء الناس الغرباء الذين يجب أن أقتلهم؟ والمؤكد ان ذلك الخطأ الواضح كان سببه وكالة المخابرات المركزية أيضا.. انها هي التي أكدت بما لا يدع مجالا للشك ان العراقيين سيخرجون مرحبين بقوات الغزو.. وأنهم بمجرد أن يقرأوا المنشورات التي تلقى عليهم (25 مليون منشور في اليوم الاول للحرب) سيرفعون رايات الاستسلام.. بل ان بعض التقديرات الواثقة من نفسها أكدت ان الاعلام الاميركية يخبئها العراقيون في ملابسهم وانهم سيرفعونها مع اول قنبلة تسقط فوق بغداد.. وربما لهذا السبب فإن عملية قصف مقر اقامة صدام حسين لحظة بدء الحرب كانت بأحدث وسائل التدمير: قنابل ام كي 84 التي تزن 2000 رطل.. فالمعروف أن اماكن مبيتة التي بناها مهندسون له محصنة ضد صواريخ كروز.. ويمكنها النجاة من قنبلة نووية استراتيجية صغيرة. وبفشل المخابرات المركزية في تقديراتها المختلفة اصبح مصير رئيسها جورج تينت في حكم الطرد.. واصبح عليه ان يذهب الى مكتبه في اعلى المقر الرئيسي للوكالة في ضاحية لانجلي القريبة من واشنطن ويجمع حاجاته الشخصية.. ولكن.. لم يكن ممكنا في تلك الظروف الحرجة التي تمر بها المؤسسة العسكرية في العراق.. خاصة بعد ان تلقت ضربة استقالة ريتشارد بيرل كبير مستشاري وزير الدفاع واحد المحرضين والمخططين لهذه الحرب.. وقد جرى تغطية الاستقالة بفضيحة فساد تتلخص في تقاضيه 600 ألف دولار من شركة اتصالات لانتشالها من الافلاس.. إن الاستقالة بسبب الفضيحة كانت أرحم من الاستقالة بسبب الفشل في غزو العراق. وبين فشل وفشل وجدت اسرائيل فرصتها لتدس أنفها فيما يجري.. إنها لم تشارك في الحرب بواسطة انصارها من الصقور في البنتاجون فقط.. وإنما شاركت فيها ايضا عبر تحويل قواعدها الى مخازن للعتاد الحربي الأميركي.. وشاركت فيها كذلك بالتخطيط لاغتيال صدام حسين.. وتعرف هذه الخطة طبقا للمصادر الاسرائيلية التي اشار اليها فهمي هويدي في مقاله الأخير في «الاهرام» باسم «تسئيلم» وقد اشرف عليها الجنرال أيهود باراك وكان وقتها رئيس الأركان.. وتقرر أن تقوم بها وحدة «سييرت متكال» أو سرية الاركان.. وهي أكثر وحدات الجيش الاسرائيلي تدريبا وخبرة وكفاءة.. وقد جرى التدريب على تنفيذ الخطة في مكان قريب من مدينة بئر سبع.. ولكن خطأ فني وقع وأدى الى اصابة خمسة جنود فقرر رئيس الحكومة اسحق شامير الغاء الخطة. وحسب معلومات وسائل الاعلام الاسرائيلية فإن الأميركيين عادوا وتبنوا الخطة بعد أن ادخلوا عليها بعض التعديلات وتدرب عليها افراد من وحدات العمليات الخاصة في صحراء النقب».. ولكن.. خوف الرئيس بيل كلينتون من جر بلاده الى مستنقع الحرب جعله يتراجع في الوقت المناسب.. فقد كان يرى أن مهمته تحقيق الرفاهية لشعبه بعجلة الاقتصاد.. وليس بالموت في ساحة الحرب. على أن الادارة الاميركية الحالية التي تورطت في الحرب لم تتعلم من مسلسل الفشل الذي لعبت بطولته بنجاح ساحق وكالة المخابرات المركزية.. وقررت الاستعانة بها في خطتها الجديدة لكسب الحرب في العراق.. ان هذه الخطة تصر على وجود جنرال خائن في صفوف صدام حسين يلعب دوره في الوقت المناسب.. أما الوقت المناسب فلن تحدده صواريخ كروز أو أم القنابل.. وانما ستحدده المساعدات الانسانية.. ان القوات الغازية ستواصل القصف من باب التأثير النفسي على الشعب العراقي.. لكنها لن تدخل في اشتباكات مباشرة مع قواته المسلحة ولا وحداته الفدائية.. ستفعل المستحيل للسيطرة على المناطق الشمالية والمناطق الجنوبية.. لتطوق بغداد من كافة جوانبها.. لتخنقها بعد ذلك بالجوع والعطش.. وفي الوقت نفسه تكون قد قدمت كثيرا من خدماتها الغذائية والصحية للعراقيين في المناطق المسيطر عليها.. وبواسطة ماكينة الاعلام المؤثرة ووسائل الدعاية السياسية الفاعلة سيقارن أهل بغداد بين حالهم الذي يرثى له وحالة العراقيين الآخرين في نجف وكربلاء والناصرية والموصل وكركوك الذين يظهرون على شاشات التليفزيون وقد بدوا وكأنهم في النعيم. هذه هي الخطة الاميركية الجديدة.. حرب بالصوت.. وبالبيانات الوهمية.. وخسائر بشرية تكسر الروح المعنوية وجوع وعطش وترويع وموت من أجل قرص اسبرين.. ثم انفراج للكرب تحت الاحتلال.. مياه معدنية.. ووجبات ساخنة.. ورعاية طبية راقية.. لتحدث المقارنة بين الناس في بغداد المحاصرة حتى النهاية والمناطق الاخرى التي أصبحت تعرف البيتزا وقلي الدجاج على طريقة كنتاكي.. لقد فشل البنتاجون في خطته الدموية.. فهل ينجح ماكدونالدز في خطته المصنوعة من الهامبورجر السوبر متعدد الطبقات مع الجبن الساخن والكاتشب المميز؟ ولا أحد يعرف هل ستنجح الخطة الجديدة ام أنها ستلقى مصير كل ماسبقها.. لكن المؤكد ان الادارة الاميركية لا تتعلم الدرس.. فلا تزال تثق في الجواسيس.. وخفافيش الظلام.. لا تزال تستمد ثقافتها السياسية من الكتب البوليسية والأفلام الخيالية للمفكر الاستراتيجي الكبير الدكتور جيمس بوند. ـ كاتب مصري