السبت 3 صفر 1424 هـ الموافق 5 ابريل 2003 رغم عدم إيماني بما تشير إليه الحروف والأرقام في صناعة ما يسمى الأحداث الكبرى، حيث يعكف البعض على جمع وطرح وقسمة أرقام بعينها أو البحث وسط ركام تلك الأحداث عن حروف يعتقد أن لها معنى كبيراً في نسج تفاصيل الحدث، رغم ذلك أجد نفسي أدخل في لعبة مثيرة في زمن «الحرب النظيفة» حسب ما يدعي الأميركيون! فهؤلاء يؤكدون في كل مرة انهم لا يستهدفون المدنيين، وان أهدافهم محددة ودقيقة وهي المواقع الحساسة التي يتحصّن فيها النظام الحاكم في بغداد، ويشيرون إلى أن أسلحتهم ذكية بحيث لا تخطيء هدفها، ورغم ذلك يرى العالم بأم عينيه غباء تلك الأسلحة المدمرة التي لا ترى سوى المدنيين، وبالذات الأطفال والنساء والشيوخ! المثير في تلك اللعبة التي بدأت خيوطها تتشابك ان حرف الباء هو من يتسيّد الموقف فيها، فيغدو عاملاً مشتركاً بين أطراف عديدة، فهو يفرض نفسه وبقوة في هذه الحرب العبثية التي أرادتها الولايات المتحدة الأميركية وحليفتها بريطانيا خاطفة وسريعة، فأيدها البعض وناهضها كثيرون. حرف الباء المتكرر والمتناثر في تفاصيل هذه الحرب يثير الاستغراب والدهشة، ولو كنّا في زمن الخزعبلات والعقول المظلمة لأصبح حرفاً ذا قدسية للبعض من الناس ممن يؤمن بالخرافة وتصديقها إلى حدّ الجنون. أقول بأن حرف الباء هو من أشعل الحرب، وهو من أعلنها على نفسه، وهو من ناهضها، وهو من يتصدى لها الآن بقوة وبسالة، فالمثير في هذا الحرف الذي يأتي ثانياً في الترتيب الأبجدي، انه غريب وعجيب ومتقلِّب. وأدعوكم أن ترصدوا أيها الأعزاء حرف الباء وتحركاته وموقعه في هذه الحرب ومنها. فمعلوم أن بوش وبلير هما من أعلن الحرب، وبوش وبلير يبدآن بحرف الباء، ومعلوم أيضاً ان من وقف ضد هذه الحرب صفاً واحداً باريس وبرلين وبوتين وبكين وجميعهم يبدأون بحرف الباء، ومعلوم أيضاً ان المستهدف من الحرب بغداد وهي تبدأ بحرف الباء. وإذا ما حاولنا أن نرصد حرف الباء في الأحداث الجارية وموقعه من الأشخاص والأماكن سنجده يتسيّد الموقف، حيث انه هو من يشكّل الحدث، فالحرب تنتهي به، ومن يشارك في الحرب يفرض نفسه عليهم عنوة ويكاد يتخللهم ويحصي عليهم أنفاسهم، ومن هؤلاء باول وزير الخارجية الأميركي، وبيرل أحد كبار مستشاري الأمن القومي للرئيس بوش وواحد من مهندسي حرب العراق، وبروكس نائب مدير هيئة الأركان الأميركية للعمليات وغيرهم كثير. ويبدو أن أحداً لم يسلم من تدخلات الباء في تفاصيل فكره المتجه نحو هذه الحرب المدمرة، فها هي الـ «بي-2» تضرب بلا هوادة ومثلها الأباتشي تجوب فضاء العراق، بينما يوجه الليزر قنبلة من نوع «جي.بي.يو» زنتها 2086 كيلوغراماً نحو مركزي العلوية والرشيد للاتصالات. وإذا ما اتجهنا إلى تل أبيب، وجدنا حرف الباء شاهداً على ما تفعله اسرائيل في هذه الحرب، فرغم مساعي الولايات المتحدة على ابقاء تل أبيب خارج دائرة الحرب، إلا أنه مع كل خطوة تقترب اسرائيل من الدخول في المشهد العام لهذه الحرب الدائرة، مما يسبب احراجاً لادارة الرئيس بوش! وقد بدأت المشاركة الخفية لاسرائيل تتكشف منذ بداية الحرب على العراق. ففي واحدة من الهجمات الجوية سقطت في بغداد طائرة بدون طيار كان الهدف من ارسالها هو التشويش على الرادارات العراقية، وضمن حطام الطائرة اكتشفت قطعة تؤكد على انها مصنّعة في اسرائيل. والمدهش في هذه الحكاية أن الولايات المتحدة حاولت بما تملكه من قبضة حديدية على إعلامها في زمن الحرب أن تخفي الحادثة بالسكوت حتى لا يصبح عنواناً إعلامياً بارزاً، إلا أن صحيفة «معاريف» الاسرائيلية كتبت في عنوان رئيسي عريض يوم الأحد الماضي «صنع في اسرائيل وأطلق في العراق» فكشفت أمراً كانت أميركا تحاول أن تخفيه! وإذا ما تركنا مشهد الحرب على العراق من خلال الواقع الميداني، فسنجد حرف الباء ما زال متمرداً على واقعه ومتداخلاً في فسيفساء المشهد العام ككل، فما نشاهده من خلال البوابات الالكترونية عن واقع الحرب وأخبارها يبدو واضحاً للعيان، وحرف الباء يفرض نفسه، فهو يتداخل في البوابات، فقد عمدت الكثير من المواقع الاخبارية الالكترونية على شبكة الانترنت إلى تغيير واجهاتها لتتماشى مع مستجدات الحرب، فإذا كان الهدف المعلن من قبل الولايات المتحدة وبريطانيا في هذه المعركة يشير إلى الإطاحة برأس النظام العراقي، فإن الهدف من الحرب الأخرى الدائرة بين البوابات الالكترونية هو استقطاب أكبر شريحة من الزوار والمتابعين. ولم يقف حرف الباء بعيداً وهو يرى نفسه مدار سيطرة وتمرد وبطولة وبسالة، لذا لم ينف التهمة التي تشير إلى انه السبب في قدوم الأميركيين والبريطانيين إلى العراق للسيطرة عليه لأنه الحرف الأول في كلمة حيوية مهمة ذات أبعاد استراتيجية هي «البترول»! ولا ندري ما الذي تحمله الأيام المقبلة بشأن الوضع في العراق، ولكن يبدو أن لحرف الباء مكاناً في تشكيل المشهد العام سلباً كان أم ايجاباً.. لذا علينا أن ننتظر لنرى ليلة القبض على حرف الباء في بغداد!