قطة سوداء في سماء بغداد، بقلم: طلعت اسماعيل

السبت 3 صفر 1424 هـ الموافق 5 ابريل 2003 تآخى المشهد بين رام الله وجنين وغزة ونابلس في فلسطين مع ما يجري في الشطرة والديوانية والناصرية والزبير في العراق.. جنود مدججون بالسلاح من الرأس إلى القدم، وأناس مسالمون تحصدهم آلة الموت القادم من وراء المحيطات متخفياً في رداء الحرية المزيفة. دخلت الحرب أسبوعها الثالث وسط أنباء عن انتظار بغداد لمعركة الحسم بعد توقف الزحف البري صوب العاصمة العراقية لفترة. التوسع في استهداف المدنيين عكس حالة الارتباك في صفوف صناع القرار العسكري وحتى السياسي في البنتاغون والبيت الأبيض مثلما هو الحال وسط الجنود وقادتهم الميدانيين فرأينا القتل على قارعة الطريق. مر الأسبوع الأول من المعارك في الفاو وأم قصر أقصى الجنوب العراقي، وانقضى الأسبوع الثاني حول الناصرية والبصرة التي استعصت على القصف والاقتحام فكان الطقس ورمال الصحراء المشجب لتعليق فشل المرحلة الأولى من الحرب. اشتدت الضربات على النجف وكربلاء بعد أن ظلت النتيجة طويلاً على الأرض بعكس ما أراد مطلقو صواريخ توماهوك والقنابل الذكية وأسلحة التدمير العنقودية، ورأينا جثث المدنيين تتناثر على الطرقات وعند نقاط التفتيش خوفاً من هاجس العمليات الفدائية. عندما صمد العراق تحت القصف النيراني العنيف والزحف البري الكثيف، استكثروا على العربي أن يخترع أساليبه البسيطة في الدفاع عن أرضه وقالوا إن روسيا مدت بغداد بسلاح التشويش على الصواريخ الذكية التي راحت تندح أمام مصائد الدخان في خنادق النفط المنصوبة حول بغداد. في حديث إلى قناة «الجزيرة» كانت كلمات ديمتري يازوف آخر وزير دفاع في الاتحاد السوفييتي السابق خير رد على اتهام روسيا بمد العراق بوسائل تشويش دقيقة على آلة الحرب الأميركية عندما قال إنه لا يفهم مثل هذا الاتهام إلا من زاوية سعي واشنطن إلى التغطية على الفشل المبكر في تحقيق النصر السريع الذي وعدت به وتوقع المسئول السوفييتي السابق استمرار أمد الحرب لفترة أطول مما يظنون في البنتاغون. نعلم ان السلاح غير متكافئ بين طرفين، لكن الأرض عادلة.. فرق شاسع بين جندي جاء إلى أرض غير أرضه وسماء غير سمائه، وفلاح بسيط لم يكن يفكر سوى في الذهاب إلى الحقل ونثر الحب وحصد الخير، فإذا بطائرات الأباتشي وصواريخ كروز والقنابل العنقودية تشعل النار في مخزون القمح وتلوث مياه الشرب. الفلاح العراقي الذي خرج في النجف ليسقط ببندقيته العتيقة طائرة الاباتشي لم يكن دافعه سوى الذود عن أرضه والدفاع عن سمائه ولم يخطر بباله أن يستقبل الصواريخ بالورود والرياحين كما اعتقد بعض المخططين في واشنطن. رهان لم يصمد طويلاً، أما عدم فهم سيكولوجية من لا يفهمون كثيراً في القاموس التنظيري عن الديمقراطية ورياح التغيير التي تهب من الغرب، فالعربي البسيط لديه قرون استشعار تحصنه باستمرار عندما يتعلق الأمر بسلب أرضه وما عليها من خيرات حباه الله بها دون غيره، قطرات النفط في عرفه مثل حبات الدم لا يمكن ان يجود بها عنوة، الكرم العربي لا يعرف الاستلاب او لغة السطو بالقوة. قالوا انهم جاءوا بحثا عن اسلحة الدمار الشامل وهي فرية لم يثبت المفتشون الدوليون وجود اي دليل عليها، وكلما سأل الصحفيون القادة الميدانيين: هل صادفتم مثل هذه الاشياء المحرمة بعد دخولكم العراق تكون الاجابة لا لكننا نبحث عنها! لقد اعلنت موسكو وبعد اسبوع من المعارك انها لن تصدق بعد اليوم الحديث عن اسلحة الدمار الشامل قاطعة الطريق على دس قطعة الحشيش في ثياب البريء كما يفعل المخبرون في الافلام العربية لتلفيق التهم لمن لا يرضون عنهم. واليوم عندما يخرج علينا جندي اميركي بصندوق مليء بمواد يقول انها جرثومية او كيماوية، لن يدانينا الشك في انها مجرد ادلة ملفقة يسهل جلبها من وراء البحار للتغطية على الفشل في اثبات وجود العدم. التوقعات باطالة امد الحرب ربما حتى شهور الصيف طبقاً لقادة البنتاغون تكشف إلى أي مدى كان الارتجال في الاعداد للمعارك التي راح الجنود انفسهم يكيلون الاتهام لواضعي خططها معترفين بأنهم جاءوا على استخفاف بعد ان وعدوا بنزهة سفاري في ربوع الصحراء العراقية قبل الاستراحة في بساتينها الوارفة! ومع الامتداد الزمني للحرب على هذا النحو نتوقع المزيد من هيستريا قتل المدنيين ناهيك عن معركة بغداد الرهيبة التي ألمح العديد من خبراء العسكرية إلى أن اقتحامها سيكون بمثابة مقبرة جماعية للمهاجم والمدافع على حد سواء وأن احتمال استخدام اسلحة الدمار الشامل بما فيها القنابل النووية أمر وارد من قبل البنتاغون على غرار ما حدث في هيروشيما ونجازاكي في اليابان وتلك ستكون كارثة كبرى ليس على العراق والمنطقة وحدها بل العالم أجمع، وقتها لن تكون جمجمة طفلة البصرة المتفجرة بفعل صاروخ دقيق التصويب أو جثث ابناء الحلة هي المشهد الوحشي الوحيد الذي يؤذي مشاعر المرهفين الذين يكتفون بمتابعة ما يدور عبر شاشات الفضائيات المتنافسة! هذه المخاوف بدأت تلوح في الأفق وتزداد كلما تعثرت أقدام الجنود الأميركيين والبريطانيين في مدن الجنوب العراقي، فما بالنا عندما يصبح الهدف دخول بغداد التي يقطنها 6 ملايين نسمة، وهي رغم القصف اليومي من البوارج وقاذفات القنابل الثقيلة لاتزال بعيدة عن يوم الحسم الرهيب الذي ينتظر هوله أبناء الأرض في اركانها الاربع.. قلبي يرتجف من هول المأساة القادمة. أفهم أن يتحدث المراسلون الغربيون في تقاريرهم عن المعارك بلسان الانحياز الى بلدانهم المشاركة في الحرب او المتعاطفة معها، لكن غير المنطقي او المبرر أن يتبنى بعض مراسلي الفضائيات العربية وجهات نظر الجنرالات في السيلية والبنتاغون دون الاحتكام إلى أدنى معايير الموضوعية فتلك سقطة لاصحابها تحسب بالخصم من رصيدهم لدى مشاهديهم. وأخيراً ليست الحرب وحدها الصعبة فالاصعب ألا تسمى الاشياء باسمائها، فالقطة السوداء ستظل سوداء إلى الأبد داخل الغرفة المظلمة وخارجها!

طباعة Email