أبجديات، بقلم: عائشة ابراهيم سلطان

الجمعة 2 صفر 1424 هـ الموافق 4 ابريل 2003 مع اشتداد وطأة الحرب على مدن العراق، ومع تفاقم الوضع الانساني الذي ينبيء عن كارثة بشرية بكل المقاييس، بدأت تطفو على سطح العراق الملتهب بالصواريخ والقاذفات واحدث اسلحة الدمار الشامل، حرب اخرى وقودها سمعة الاعلام ومصداقيته وطرفاها الانظمة السياسية وبعض القنوات الفضائية الفاعلة في ساحة الحرب. التعاطي مع الاعلام في عز الأزمة الحالية يكشف كل ادعاءات الحرية والديمقراطية وحق التعبير عن الرأي، الازمة تطحن العالم ابتداء من جمهورية جزر القمر وانتهاء بالامبراطورية الاميركية العظمى، وهي تفرز آلياتها وشروطها وظروفها الخاصة جدا، لكنها بالتأكيد تظهر مدى تأزم الانظمة السياسية جميعها، ومدى الورطة العسكرية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية التي وجدت نفسها فيها نتيجة الفعل الاميركي المبالغ في تعديه على الشرائع والقانون الدولي وبالمقابل رد الفعل العالمي العاجز تماما عن اي فعل لايقاف ماكينة الحرب الجهنمية، ما وضع اخلاقيات العالم وارثه الانساني على محك غاية في الصعوبة والخطورة. هناك تصادم يومي بين الانظمة والاعلام، فما تعجز الانظمة عن مواجهته في الشارع الغاضب بواسطة العصي والهراوات تصفيه على جبهة الاعلام، وهي في الوقت الذي تريد ان تظهر فيه بالمظهر الديمقراطي الليبرالي المتفهم لطبيعة مشاعر الجماهير وتوجهاتهم، فانها تبدي مع الاعلام ومع القنوات الفضائية في طريقة تغطيتها للحدث وجها آخر لا يختلف عن ذلك الوجه الستاليني القمعي الذي تصف به اعداء الحرية والديمقراطية مما يوقع الجميع في حالة من الفصام الذهني والنفسي يزيد من وتيرة المواقف الرافضة للحرب، ومن تباعد المسافة بين الجماهير وانظمتها ما ينبيء باحتمالات مستقبلية ليست سهلة!! التعاطي القمعي مع الاعلام لم يعد حكرا على انظمة العالم الثالث، والجميع وقود المعركة، كتاب الرأي، صحفيو التغطيات الميدانية، مراسلو القنوات الفضائية وصولا لطواقم المصورين والفنيين وغيرهم، فالكل يبحث عن الخبر الحقيقي الحي لنقله للناس في وقته، والكل يحاول ان يقارب المصداقية والحقيقة هذا من جانب الاعلاميين، لكن على الطرف الآخر، طرف الانظمة ذات العلاقة بالحرب، فإن الكل يسعى لتغطية تلائم اهدافه وتخدم مصالحه وتحقق رغباته وهذا امر طبيعي، ما يجعل اختلال المسافة بين الطرفين سببا لما نسمعه من ازمات اعلامية. لقد خضعت محطة في حجم (ان بي سي) الاميركية لضغوط البنتاغون وطردت مراسلها العسكري المخضرم بيتر ارنيت بسبب قوله الحقيقة على شاشة الفضائية العراقية عندما قال رأيه في شأن خطط الحرب الاميركية الفاشلة، والغريب ان الذي تلقف ارنيت بمجرد فصله من القناة الاميركية، كانت جريدة بريطانية ذائعة الصيت (الميرور)!! ولم يسلم مراسل قناة (فوكس) الاخبارية الصهيونية من الطرد بتهمة افشاء اسرار عسكرية!! في المقابل تتعرض قناة (العربية) لانتقادات شديدة من قبل المسئولين الكويتيين الذين يتهمونها بالتحيز للجانب العراقي ما قد يعرض فريقها العامل في الكويت للطرد اذا لم تذعن للمطالب الكويتية كما جاء على موقع (ايلاف) الاخباري على شبكة الانترنت، بالرغم من ان القناة الحديثة تحاول ان تتعامل مع الخبر بحرفية اعلامية تضع الموضوعية والمصداقية نصب اعينها، لكن الوقت على ما يبدو ليس وقت مصداقية فهذه مجرد سلعة للاستهلاك الترفي عندما تكون المجتمعات في حالة راحة وخمول لا اكثر ولا اقل؟ لم تسلم قناة (الجزيرة) من الانتقادات الحادة جدا من جميع الاطراف الاميركية والعربية، واول الانتقادات القاسية جاءت على لسان كبار رجال الادارتين الاميركية والبريطانية مباشرة بعد عرض صور الاسرى والقتلى الاميركيين التي اثارت (اشمئزاز) هؤلاء الرجال، ثم كان طرد المراسلين الذين يغطون اخبار المال والبورصة في نيويورك، وبعد ذلك توالى النقد الحاد والجارح من قبل سلسلة من الكتاب والمثقفين بحسب اهوائهم وانتماءاتهم السياسية والانظمة التي يعملون لها، واخيرا جاء قرار الحكومة العراقية بطرد مراسلي (الجزيرة) من العراق وخصوصا من بغداد .. وقد تراجعت الحكومة عن القرار فيما بعد اثر اللقاء المباشر الذي بثته القناة للسيد محمد سعيد الصحاف .. والبقية تأتي.

طباعة Email