سقوط رهانات التحالف الأنكلو سكسوني، بقلم: علي بدوان

الجمعة 2 صفر 1424 هـ الموافق 4 ابريل 2003 دون تفاؤل مبالغ به، ودون اغراق في الانتشاء المريح بعد التصدي العراقي البطولي لقوات تحالف الغزو، الأنكلو سكسوني، ودون التهوين من حجم القوة العسكرية الضاغطة على العراق والوضع المأساوي للشعب المحاصر منذ أكثر من عقد ونيف من الزمن، دون كل هذا يمكن القول بكل ثقة بأن حصاد البيدر لم يكن مستجيباً لطموحات الزارع الأميركي البريطاني. فقد انهارت نظرية «الحرب النظيفة السريعة» ضد العراق، وثبت بالمحصلة أنها حرب استعمارية كلاسيكية بتقنيات قتالية فائقة التطور التكنولوجي وذات مضمون كوني، مصلحي، استراتيجي تحمل معها كل شرور حروب القتل التي ودعتها البشرية في مختلف أصقاع الأرض بينما مازالت قائمة في فلسطين ويعمل الآن وفقها في العراق. قلق وارباك مع جهنم القصف الصاروخي على بغداد والبصرة والموصل، ومع سيل الغارات الليلية التي لم يسبق لها مثيل في تاريخ الحروب الكلاسيكية، لم تستطع صليات الـ 6000 صاروخ توماهوك وكروز والقنابل الذكية التي أطلقت خلال الأيام العشرة الأولى من المعارك أن تشكل ما كان متوقعاً عند دونالد رامسفيلد من عامل «الصدمة المريع » الذي يفتح الطريق أمام جحافل جيوش التحالف الأميركي البريطاني لدخول بغداد وترسيم سقوط موقع عربي أمام مشروع أميركي لم يعد خافياً على أحد، يهدف الى اعادة ترتيب خارطة المشرق العربي، وفرض تسوية مذلة على الطرف الفلسطيني ومجمل الأطراف العربية المعنية بالمفاوضات مع الدولة العبرية. ولاشك بأن عاملي الصمود والمقاومة من جانب الشعب العراقي وقواته المسلحة أمام جحافل القوات الأنكلوسكسونية، قد لعبا دوراً رئيسياً في شل وتعطيل السيناريوهات التي كانت البنتاغون قد وضعتها على طاولة التحضيرات الأولية للغزو قبل فترة ليست بالقصيرة. فالإدارة الأميركية تعيش حالة من القلق والإرباك ما أدى إلى فقدانها القدرة على التخطيط فاضطرت لتغيير خططها وتكتيكاتها العسكرية أكثر من مرة وفق اعترافات العسكري الأميركي المخضرم الجنرال توم فرانكس. ويمكن للمتتبع أن يلحظ حجم الإرباكات المشار إليها التي وقعت خلال الأيام الماضية عبر التغييرات التي أجريت على طريقة وأسلوب اندفاع القوات الأميركية إلى مناطق غرب نهر الفرات الصحراوية، وتجنب مناطق شرقي النهر حيث الازدحام الكثيف للمدن والبلدات والقرى العراقية فضلاً عن الجيش وقوى المقاومة، وهذا الإرباك يسحب نفسه سياسياً ودولياً في الحركة الديبلوماسية لمبعوثي ورسل واشنطن. وعلى هذا الأساس فان إدارة بوش في حال لا تحسد عليها، فهي معلقة بين ورطة الحرب وتداعياتها السلبية مع الخسائر اليومية في صفوف قوات التحالف وبين الحراك الدولي المطالب بوقف الحرب، وارتفاع حدة الأصوات الناقدة لسياسة الولايات المتحدة القائمة على تكريس منطق القوة في حل القضايا الدولية، فقد هزت مشاهد تدمير البنى التحتية وقصف المنشآت المدنية والمناطق الآهلة بالسكان مشاعر الرأي العام الدولي حتى داخل الولايات المتحدة ذاتها، حيث سارت المظاهرات المطالبة بوقف زحف «عولمة الكراهية» التي تقودها إدارة الرئيس بوش تحت يافطة مزورة عنوانها «الحرية للعراق». ومن حيث المبدأ، ومع تواصل المقاومة العراقية والصمود على الأرض فإن كل الاحتمالات واردة بما في ذلك تشديد وتكثيف عمليات القصف الجوي خاصة ضد المدنيين ومنشآت البنية التحتية لإرباك الوضع الداخلي العراقي وشل قدرات وعوامل الصمود. كما أن انهيار الرهانات والآمال التي روجت لها مصادر إدارة بوش معتقدة بأن الشعب سيخرج لاستقبالها بالزهور والرياحين، وعلى زعزعة المعادلة الداخلية العراقية وتفكيك الوحدة الوطنية في مناطق جنوب العراق ـ هذا الانهيارـ شكل أيضاً عاملاً حاسماً في نسف مشروع «الانتصار الساحق» والحرب «النظيفة السريعة» كما روج لها ريتشارد بيرل المنسق والمخطط السياسي في وزارة الدفاع الأميركية الذي استقال مؤخراً. وثبت بالملموس أن هذا الرهان خاسر، وأن الولايات المتحدة وبريطانيا تحصدان نتائج سقوط الرهان إياه، فلم يكن متوقعاً من قبل شعب العراق أو أي شعب آخر أن يستقبل الغزاة بالورود، مهما كانت طبيعة المشاكل الداخلية في البلد بين السلطة والمعارضة أو بين أي من قطاعات الشعب وسلطاته الحاكمة، ومن هنا فالشعب العراقي يتوحد الآن في معركته ضد الغزاة. فقد أصبحت القضية أمام كل الشعب العراقي بكافة تلاوينه وتشكيلاته «مسألة وطنية» بالدرجة الأولى، فقد غاب عامل التناقض المحلي مع سياسات أو مواقف النظام السياسي ليحل مكانها الموضوع الصراعي مع قوات الغزو. وفي هذا المقام فان العودة الأصيلة لروح المقاومة عند الشعب العراقي وأبناء البصرة والجنوب بشكل خاص ـ الذين أذاقوا الانكليز علقم الهزيمة في ثورة 1920 في أوحال دجلة والفرات وأهوار العراق بعد أن قدموا أنفسهم باعتبارهم رواد حرية العراق ـ ستدفع بالضرورة كرة المقاومة المتدحرجة أمام جحافل قوات التحالف، وأول الغيث العملية الاستشهادية قرب النجف على يد الشهيد النعماني يوم 28/3/2003. وبالمحصلة، فإن الغرق الأميركي البريطاني في أوحال العراق قد وقع في حال استمر اندفاع القوات الغازية نحو وسط العراق كما عبر عن هذا الوزير البريطاني المستقيل روبن كوك. وبغض النظر عن النتائج النهائية المتوقعة عن الحرب ـ سقط النظام أم لم يسقط ـ فالعراق بثرواته وبجغرافيته المترامية وبشعبه وتعدده السياسي الفكري، وحتى الإثني والقومي، وبالتجربة العريقة التي بناها خلال عقود طويلة منذ اندحار الإنكليز قبيل استقلال الدولة العراقية، لن يكون مرتعاً خصباً أو بئراً نفطية تتدفق عبر الناقلات العملاقة نحو شواطئ الغرب. ـ كاتب فلسطيني ـ دمشق

طباعة Email