مخاسر الحرب وطبيعتها، بقلم: د. شفيق ناظم الغبرا

الجمعة 2 صفر 1424 هـ الموافق 4 ابريل 2003 تستمر الحرب، ويستمر زحف القوات المتحالفة باتجاه بغداد، من جهة اخرى تستمر حالة المدن العراقية المحاصرة، كما تستمر حالة المقاومة للهجوم الأميركي البريطاني. بين الاثنين تتبلور حالة سياسية تميل في معظمها إلى ادانة العملية العسكرية، ولكن الموقف الأميركي والبريطاني هو الآخر متماسك ومصر على تحقيق أهدافه في تغيير النظام العراقي. في هذا تستمر الحرب، ومن الواضح انها لن تكون قصيرة، كماستتخلها عدة مراحل صاخبة وكبيرة وعدة مراحل هادئة تتميز بإعادة ترتيب. ومن مقدمات هذه الحرب يمكن التأكيد ان عدة مفاجآت ستكون عناوين صاخبة في المرحلة المقبلة، بعض هذه المفاجآت قد تكون في حجم الخسائر الأميركية والعراقية وحدة الاستعداد العراقي للقتال، وبعضها في حجم الثمن الذي ستدفعه الولايات المتحدة، وبعض المفاجآت سوف تكون في مزيد من التأخير في الجدول الأميركي، كما ان بعضها سيكون من انهيارات قادمة في القيادة العراقية وفي مدينة بغداد ومدن اخرى. ومن الواضح الآن ان الحرب سوف تنتهي بتغير النظام العراقي، ولكن الحرب لن تخلو من مخاسر أميركية ايضا، فأول المخاسر على صعيد الادارة هو سقوط ريتشارد بيرل، والضغوط التي تعاني منها إدارة المدنيين في البنتاغون نتيجة الخلاف على طريقة التحضير للحرب والاستخفاف بتماسك النظام العراقي. فخروج الخلاف الى العلن حول تقدير الموقف في العراق وامكانية سقوط النظام العراقي السريع بلا معركة، قد أدى إلى اهتزاز الثقة بالمحافظين الجدد. فأصل المشكلة ان المحافظين الجدد هم الذين قادوا التحضير للحرب وساروا بها إلى اخر الطريق، بما في ذلك التخلي عن العلاقة مع المعارضة العراقية في المراحل الأخيرة ومحاولة فرض الحاكم العسكري الذي اعلنت الإدارة أنها تسعى لتعينه. المعركة التي خاضها العراق في الأيام الأولى غيرت هذه التوازنات، ولكنها من جهة اخرى لم تغير حقيقتين: ان النظام العراقي ذاهب لان زمانه واسلوبه وطريقته وقدراته لن تستطيع ان تتحمل حجم الهجوم ومدى تصميمه. كما ان النظام العراقي زائل لانه يتحمل جانبا اساسيا من المسئولية في طبيعة الصراع الدائر اليوم حول العراق وجذوره في التسعينيات. ولكن من جهة اخرى الرئيس بوش هو الآخر سوف يخرج بمخاسر حقيقية وان قطاع كبير من الصقور سوف يواجه ضعفا وربما استقالات وتراجعات. في نهاية الأمر الرئيس العراقي ونظامه سوف يخسران، ولكن الرئيس بوش وعددا من صقوره سيجدون صعوبة كبيرة في تحمل العاصفة القادمة اليهم من قبل الرأي العام الأميركي. في نهاية الأمر قد يعود الحزب الديمقراطي في الانتخابات القادمة انطلاقا من اخطاء الإدارة في مجال الاقتصاد وفي مجال التخطيط لهذه الحرب. وبينما تسقط الاخطاء الأميركية اي مسئول أميركي بسبب دور الرأي العام وقوته الانتخابية، إلا أنه في واقعنا العربي لا يوجد خطأ يسقط صاحبه، فالسقوط في بلادنا العربية لا يتم إلا من خلال انقلاب او حرب كبيرة كما نشاهد اليوم في العراق. وتؤكد الاوضاع الراهنة ما اكده لنا التاريخ، فالحرب هي الحرب، وهي قلما تسير وفق الحسابات ووفق الخطط والتصورات. فهي عمل وحشي يقع بين افراد متحاربين يسعون لهزيمة الطرف الآخر. الحرب قلما انتهت وفق جدول زمني وقلما اعطت نتائج أفضل من المتوقع، فابان الحربين العالميتين الأولى والثانية: لم يتوقع احد ذلك الامتداد وتلك المخاسر والنهايات، اما الحروب العربية الاسرائيلية: فلم يتوقع احد ذلك الاستمرار الذي لا ينتهي، لا في الجانب العربي ولا في الجانب الإسرائيلي، يكفي ان نلقي نظرة على تجربة اسرائيل في لبنان عام 1982 والتي انتهت بمجازر وكارثة كبيرة وصراع ومقاومة أدت الى انسحاب اسرائيل المدوي. ان هذه الحرب لن تختلف عن غيرها، فقد بدأت بمفاجآت ولن تنتهي بلا مفاجآت، رائحة الموت وصرخات المدنيين العزل ستكون سيدة الموقف طوال هذه الحرب، في هذه الحرب سوف يسقط النظام العراقي، كما ان مرحلة غير واضحة المعالم ويصعب علينا ان نعرف جميع ابعادها. سوف يبقى السؤال: هل كان ثمن الحرب أكبر من ثمن الاحتواء، وهل يكون العراق الجديد أقدر على التعافي ولعب الدور الايجابي مع نفسه ومع محيطه ام يكون العراق الجديد استمرارا لذات العراق الذي اضطهد شعبه واضطهد محيطه؟! اسئلة كثيرة سوف تبقى معنا لفترة ليست بالقصيرة. ـ استاذ جامعي ومحلل سياسي

طباعة Email