الخوف من الصديق الأميركي ينتشر في الغرب !، بقلم: د. طلعت شاهين

الجمعة 2 صفر 1424 هـ الموافق 4 ابريل 2003 صناعة الكتاب هذه الأيام تؤكد الفارق في كيفية التفكير التي تحكم عقليتنا نحن العرب وعقليتهم في الغرب، ورؤيتنا نحن العرب لما يجري على أرضنا من أحداث يتعلق بها مصيرنا الآني، وبين رؤيتهم في الغرب لأحداث تحدث عندنا وليس لها تأثير مباشر وآني، ولكن لها تأثيرات مستقبلية عليهم. فنحن لا نرى إلا ما يحدث على شاشات التلفزة وما تجود به علينا الكتابات السريعة، والمتسرعة في معظمها، التي تنشرها الصحافة اليومية، وأكثرها تشير إلى التوجهات الرسمية، والقليل منها ما يحاول أن يضئ أو يلقي ضوءا ويحذر من الخطر المحدق.أما هم «الآخر» أي غير العرب، وبشكل خاص الغرب، سواء كان على الشاطئ الشرقي من المحيط الأطلسي أم على شاطئه الغربي، إضافة إلى جلوسهم أمام أجهزة التلفزة، ومطالعتهم للصحف السيارة على الورق، أو على شاشات الكمبيوتر، التي استعاض بها الكثير منهم عن شراء الورق، فهم يجرون خلف الكتاب الذي يتناول أحداث الساعة، سواء كان كتابا جادا أم يتناول الحدث بشكل سريع، إلا أن الكتاب يصبح في هذه اللحظة عاملا مساعدا على فهم ما يجري أمامهم ومن حولهم. في العالم العربي من أقصاه إلى أقصاه، وبكل تعداده العددي سواء على مستوى عدد الدول الأفراد، وعدد دور النشر، لم تصدر عن أحداث العراق أو الأطراف المشاركة في صنع هذه المأساة سوى قلة قليلة من الكتب تعد على أصابع اليد الواحدة، معظمها كتب صدرت من قبل، وتم طرحها استغلالا لأحداث الساعة، لعلها تروج أو تجد اهتماما بعد أن ظلت تراوح مكانها في مخازن دور النشر، أما في الغرب فقد انهالت عشرات الكتب، بل المئات القليل منها كان مطبوعا من قبل والكثير منها. قامت دور النشر بتكليف متخصصين في إعدادها منذ أن لاحت في الأفق نذر هذه الحرب التي تشنها الولايات المتحدة وبريطانيا على العراق تمهيدا لغزوه واحتلاله، والسيطرة على ثرواته والانطلاق منه لتنفيذ الخرائط المعدة سلفا لمد هذا النفوذ بالقوة على باقي دول المنطقة. كثافة في النشر من خلال متابعتي للإصدارات التي جرت في إسبانيا خلال الأسابيع القليلة الماضية أستطيع أن أؤكد للقارئ أن ما أحصيته، بمعنى ما شاهدته أو قرأت عنه، يزيد على الخمسين كتابا تتناول قضايا متعلقة بالعراق، طالعت بعض تلك الإصدارات لأنها أكثر من أن يطالعها المرء في أسابيع قليلة، وان كان الغالب عليها ما هو متعلق بالولايات المتحدة بسبب عملية الغزو التي أعدت لها طويلا، معظمها مترجم عن لغات عدة كتبها مختصون في هذا الشأن، وبعضها مكتوب باللغة الأسبانية، لكن القارئ العادي يقبل عليها للتعرف على ما يجري من حوله من أحداث. لم تتأخر دار نشر واحدة سواء كانت كبيرة أو متوسطة الحجم أو صغيرة عن نشر كتاب أو أكثر يتناول الأطراف المختلفة في الحرب الدائرة رحاها الآن على أرض الرافدين، بعضها بالطبع يحاول الانتصار لطرف في مواجهة الطرف الآخر، ولكن كان هناك اتجاه جمع عدداً كبيراً من تلك الكتب: الخوف من الصديق الأميركي، فقد تناولت هذه الرؤية مجموعة كبيرة من الكتب بعضها لكتاب أوروبيين والبعض الآخر لكتاب أميركيين. حاول معظم هذه الكتب أن يتناول ما يسمى بالحضارة الأميركية المعاصرة، ومحاولاتها الانتشار في العالم كله، شرقه وغربه، عن طريقة أدوات الدعاية والإعلان، لنشر عادات معينة في مقدمتها «الكوكاكولا» التي تعتبر علامة مسجلة لكل ما هو أميركي، تضاف إليها بعض الأطعمة السريعة كالهامبورجر والفرايد تشكين، بعد أن كان الجينز أحد أدواتها منذ زمن «أفلام رعاة البقر». ربما كان الكتاب اللافت للنظر هو «ظل النسر» لمؤلفه الصحفي «مارك هيرتزجارد» الذي يعتمد على عمل ميداني، في شكل تحقيق صحفي طاف العالم كله لإنجازه محاولا الإجابة عن سؤال صغير في جملة صغيرة، لكنه يحمل دلالات لا يمكن تجاهل حجمها: لماذا يكرهوننا؟. المتسائلون هنا هم الأميركيون أنفسهم، وهو سؤال بدأ بعض أفراد المجتمع الأميركي يطرحونه بعد أحداث 11 سبتمبر، وكأنهم اكتشفوا فجأة أن العالم كله، لا الشرق فقط، يكرههم، وبدلا من أن يفيقوا من الصدمة على البحث والتقصي حول سبب ما حدث لهم طرحوا هذا السؤال البسيط الذي لا يكاد يحتاج لإجابة من أحد ليعرف المتسائل سبب هذه الكراهية التي أصبح الأميركي يواجهها الآن، حتى في الدول الغربية الصديقة والحليفة. لكن الكاتب يكتشف خلال بحثه عن الإجابة عن هذا السؤال معادلة غريبة، أن صورة الولايات المتحدة لدى معظم سكان العالم صورة متخيلة ولا علاقة لها بالواقع، لأن معظم الناس يحلم بالذهاب إليها والحياة على طريقتها، ولكنهم لا يعرفون من هذه الحياة سوى أنها: كوكاكولا وهامبورجر وفرايد شيكن وجينز، إلا أنهم يخشونها لما يشاهدونه من عدوان لا يتوقف على شعوب صغيرة لا تملك دفعا لقوة الجيوش الأميركية الغاشمة، لذلك فهم حيارى بين نمط الحياة الأميركية البراقة التي تصورها وسائل الإعلام المختلفة، وبين أخبار القتل والتدمير التي تحدث يوميا سواء بين الأميركيين أنفسهم، حتى بين الأطفال منهم، وبين شعوب العالم التي تتعرض للعنف غير المبرر على أيدي رجال جيشها الذي يدخل في حرب قبل أن يخرج من أخرى. تهديد دائم الحال أيضا لمن يعرفون الولايات المتحدة يكاد يكون مطابقا، فمن يعرفون الولايات المتحدة حائرون بين ذلك المكان الأكثر تقدما تكنولوجيا في العالم كله لكنه يحمل في بذرته جرثومة تدميره، فالولايات المتحدة: مكان واسع الثراء ولكن تنطلق فيه الرصاصات القاتلة بأسرع ما يمكن، فمن الذي يرغب في الحياة في مكان كهذا (؟!). هناك بالطبع من يرى في الولايات المتحدة أنها رمز للفرص السانحة للصعود بسرعة الصاروخ لكنها كما يقول الكاتب الإيطالي «امبرتو ايكو» صاحب رواية «اسم الوردة»، مكان للفرص السانحة ولكنه أيضا مكان الحياة المهددة دائما، فمن تتاح له الفرصة فيها لتحقيق أحلامه بالصعود سريعا عليه أن يعيش دائما تحت التهديد الذي لا يكل، سواء من جانب أفراد منافسين، أو مجموعات ترى في تحقيقه أحلامه تهديدا لها، أو حتى شركات كبرى تجد في نجاح الفرد عقبة أمام تحقيقها أرباحا أكبر. إذا كان الأفراد في تعاملهم مع الولايات المتحدة يرون فيها «فرصة وتهديدا» معا، فإن الدول الأخرى ترى في الولايات المتحدة كدولة صديقا وعدوا في آن، كما يقول الكاتب البريطاني «اناتول كالتسكي» المحرر في «التايمز» فإن الولايات المتحدة تعتبر أكبر خطر محدق بالعالم، خاصة بعد 11 سبتمبر لأنها واقعة تحت تأثير «غطرسة القوة»، ولكنه يرجع هذا الخطر إلى عدم قدرة الرئيس جورج بوش على استخدام «القوة» التي حصل عليها بتعاطف العالم مع بلاده بعد أحداث الثلاثاء الدامي. يتفق معه في هذا المحلل السياسي «جوزيف نايي» حين يذكر في كتابه «تناقض القوة الأميركية» برؤيته أن الكثير من غير الأميركيين يرون أن الولايات المتحدة منكبة على تحقيق أكبر قدر من مصالحها الخاصة دون النظر إلى أن ذلك قد يتعارض مع مصالح الآخرين، وهو ما يخلق العداء لها، ويتساءل عن مستقبل تلك القوة التي تتعامل من خلالها الولايات المتحدة مع الآخرين بما فيهم أصدقاؤها، ويؤكد أن مستقبل هذه القوة هو تدمير نفسها ما لم تغير من نظريتها ونظرتها لنفسها وللآخرين في إطار علاقات مختلفة، حتى مع بقاء القوة العسكرية الجبارة الأميركية على حالها، وإلا فإن هذه القوة ستتحول في النهاية إلى أداة لإثارة «الخوف في قلوب الأصدقاء قبل الأعداء»، إي التحول إلى العزلة والحياة في محيط معادٍ لها. أما الكاتب الفرنسي «جان فرانسوا ريفيل» برغم دفاعه في كتابه «تسلط فكرة العداء لما هو أميركي» عن الممارسات الأميركية، إلا أنه يطالب بتعديل العلاقة بين أوروبا والولايات المتحدة، وإلا فإن فكرة العداء لما هو أميركي يمكن أن تتحول إلى فكرة متسلطة يصعب التغلب عليها مع مرور الزمن، وتصبح الولايات المتحدة المقابل المناقض لأوروبا. ربما كان «جاك دريدا» أكثر الكتاب انتقاداً للممارسات الأميركية الحالية التي تكاد تقضي على الديمقراطية بوضعها في موضع الانتقاد أمام العالم «غير الديمقراطي»، لأن أميركا وهي ترفع شعار «نشر الديمقراطية» تتحالف مع أنظمة «دكتاتورية»، وتعلن أن حروبها من أجل إنقاذ شعوب من حكامهم الظالمين فيما تعين حكاما على قمع شعوب أخرى، ففي كتاب له صدر في باريس، يعلن أن الولايات المتحدة بممارساتها المعادية للشعوب تدمر التوازن في العلاقات الذي كان قائما في أوروبا، لأنها تحاول السيطرة على الشعارات وتملكها ومنع الآخرين من التعامل مع هذه الشعارات باعتبارها شعارات أميركية، لأميركا وحدها حق استخدامها، ومن يتجرا على التعامل معها تتهمه بالخروج على اللياقة تجاهها. الهوس الأميركي في كتاب «نادي الميتافيزيقيين» يجيب الكاتب «لويس مناند» على التساؤل حول «إشكالية التحول من الإعجاب إلى الخوف من الولايات المتحدة»، فيرى من خلال دراسة تاريخ الفكر الأميركي أن كل القيم العليا التي يرفعها المجتمع الأميركي عن الحرية في الحقيقة لم تكن سوى ترجمة لأفكار أوروبية جاءت من القارة العجوز، حاول الأميركيون استخدامها على طريقتهم لتأكيد «الفردية» في مواجهة ما هو اجتماعي أو جماعي، ومنحت الفرد في ذلك المجتمع مساحة من ارتكاب الخطأ، لأن السماح بالخطأ في المجتمع الأميركي يعني منح الفرصة للتجديد والتجريب للوصول إلى نتائج أفضل وأسرع لا يقف الخوف من المجتمع حاجزا أمام تجريبه وتأكيده، وربما هذا في رأيه يفسر سر اندفاع المحافظين الجدد نحو دعم حكومة بوش للتعامل بمنطق القوة العسكرية الغاشمة بدلا من الإقناع والدبلوماسية، على الرغم من أن هذا المنطق يتناقض تماما مع فكرة «البرجماتية» التي يعتنقها الأميركيون، المحافظون منهم بشكل خاص، لأن البرجماتية ولدت كفكرة لتوقف اندفاع الفرد في نزواته ولا يمارس العنف بسبب معتقداته. وبدلا من الحلم الذي كان منتشرا بين شعوب العالم حتى وقت قريب وهو «الحلم الأميركي» فقد تحول الآن إلى «الكابوس الأميركي». في كتابه «رحلة إلى مستقبل الإمبراطورية» يشير «روبرت كابلان» إلى أن سبب هذا الاندفاع نحو استخدام القوة الغاشمة ضد المجتمعات المدنية الأخرى يعود إلى تخلي الأميركي عن الحياة في قلب المدينة إلى الحياة على الهامش من مراكز التمدن، فازداد إحساسه بالعزلة، وبالتالي إحساسه بالخوف من الآخرين، ثم انتقل إحساسه بالخوف من الآخرين في مجتمعه إلى الخوف من الآخرين في المجتمعات الأخرى. يصل الكاتب «امانويل تود» إلى نتيجة قريبة من فكرة كابلان ويؤكد في كتاب له بعنوان «ما بعد الإمبراطورية» أن السياسة الحالية التي يمارسها البيت الأبيض تنبع من عدم قدرته على الحفاظ على المصالح الأميركية من خلال خلق شبكة من الصداقات التي تخلق مصالح متشابكة مع مصالح الآخرين وتدفعهم إلى الدفاع عن المصالح الأميركية في إطار الدفاع عن مصالحهم الخاصة، ويؤكد أن السياسة الحالية ستكون نتيجتها المؤكدة ظهور أيديولوجيات جديدة تواجه كل ما هو أميركي. الغرب الذي يعرف أن ما يحدث عندنا وعلى أرضنا نحن العرب، بدءا من أرض العراق التي تتعرض للغزو الأميركي المدعوم بريطانيا، يحاول الاطلاع على رؤى تكمل وعيه بما يراه على شاشات التفلزة وعبر الأثير، أو في الصحافة اليومية، فيصدر الكتب التي لا يمكن الاستغناء عنها في هذه اللحظات الحرجة لزيادة وعي جماهيره. أما نحن فالسائد عندنا هو أن نتوقف عن كل شئ، حتى إبداعنا يتوقف نشره بدعوى أنها حالة الحرب، الحالة التي تجعل نشر الكتاب مغامرة، حتى لو كان كتابا ينير الطريق أمام القراء العرب الذين يسيرون في نفق مظلم، وبدلا من إضاءة «شمعة» نكمل «العتمة» بالتعتيم الكامل، بل والمتعمد. ـ كاتب مصري

طباعة Email