خواطر: بقلم: عبد الوهاب قتاية، شيء من العراق

الجمعة 2 صفر 1424 هـ الموافق 4 ابريل 2003 كم كان امير الشعراء نافذ البصيرة بعيد النظر، حين قال في ختام رائعته التي جاوب بها شعراء العروبة الذين احتشدوا في القاهرة لمبايعته بامارة الشعر سنة 1927: قد قضى الله ان يؤلفنا الجرح وأن نلتقي على اشجانه كلما أن بالعراق جريح لمس الشرق جنبه في عمانه ولئن كان قصد شوقي «بالعراق وعمان» اي مكانين في وطن العرب من المحيط الى الخليج، فانني على يقين من ان اختيار «العراق» لم يكن كما اتفق او مصادفة بلا دلالة، فشوقي كان من اشد الشعراء تدقيقا في اختيار مفرداته كما كان من اوسعهم معرفة بتاريخ الحضارة العربية وتراثها الثقافي واختيار «العراق» هنا هو اختيار للقلب والمنبع والرمز التاريخي الاكبر للحضارة العربية. العراق هو البوتقة التي انصهرت فيها عناصر العروبة وهو الارض الخصيبة التي انبتت وانمت الجانب الاكبر من ثمار الحضارة العربية والتراث العربي، الذي سرى ـ جينات في الدم ـ في عروق وخلايا كل عربي في كل مكان وعلى مر القرون والاجيال. ان من اهم المقومات التي تميز امتنا العربية، وتحفظ قوميتها حية مستعصية على عوادي الزمن والاعداء، وحدة لغتها ووحدة ثقافتها وتراثها، اي تكوينها الثقافي بكل مفرداتها وبخاصة الروحية والثقافية، وفي كل ذلك، ليس هناك دور يوازي دور العراق التاريخي في ابداع واثراء تلك المقومات. حقا، يعتز التراث العربي ويفخر بروافده الفنية التي تدفقت ابداعا من الاندلس وبلاد المغرب العربي ومصر والسودان وبلاد الشام والجزيرة العربية لكن الرافد الاكبر الزاخر كان العراق، بحواضره الزاهرة التي احتشد فيها وتجلى ابداع العقل العربي والوجدان العربي، الذي شكل الجزء الاكبر من الغذاء الروحي والثقافي لاجيال الامة. كانت البصرة والكوفة وبغداد وكل المدائن العظيمة التي اسسها وشيدها العرب في العراق، مراكز ابداع واشعاع حضاري يغذي الوطن الاسلامي الممتد في جهات الدنيا الاربع، ويستقطب في الوقت نفسه ابداع كل الجهات. البصرة والكوفة ثم بغداد ـ مثلا ـ احتضنت اللغة العربية، وابدعت علومها وفنونها الرائعة، على ايدى الافذاذ من ابناء العراق والناشئين في كنفه والآوين الى ظلاله من امثال الدؤلي، وابن ابي اسحق، والخليل ابن احمد وتلميذيه سيبويه والكسائي وتلميذه الفراء، وابن العلاء، والاصمعي، وابن جني، وابن دريد، وابن خالويه، وابن الاعرابي، وابن السكيت، والمازني، وثعلب، الى آخر عقود اللآلئ التي لا تحصى من العلماء والمؤلفين، ولا يمكن ان نغفل هنا ذكر المبرد (صاحب الكامل)، وابن قتيبة (صاحب عيون الاخبار وادب الكاتب)، والجاحظ (صاحب البيان والتبيين)، والقالي (صاحب الامالي)، والاصفهاني (صاحب الاغاني)، والعسكري (صاحب جمهرة الامثال)، والثعالبي (صاحب يتيمة الدهر)، والتوحيدي (صاحب الامتاع والمؤانسة). ونجد مثل ذلك في مجال تشكيل الفكر الاسلامي من علماء الحديث والفقه، امثال: ابن الاثير (الموصلى)، والامام ابن حنبل، وشيخ اتباعه ابن عقيل (البغداديين)، والامام ابي حنيفة (الكوفي)، والحسن البصري. اما في مجال الادب، فحدث ولا حرج، ويكفي ان نذكر من ابناء العراق والذين اقاموا فيه اسماء: المتنبي (الكوفي)، وابن الرومي (البغدادي)، وبشار بن برد (البصري) وابي تمام، وابن المعتز، والمعري، وابي نواس، وابي العتاهية، وابن الجهم، والعباس بن الاحنف، والبحتري، والشريفين الرضي والمرتضي، ومهيار، وابن زريق البغدادي، ومسلم بن الوليد. نهر زاخر متدفق من العطاء الثقافي، رفدته كل طاقات الابداع العربي والاسلامي من العالم الاسلامي الذي امتد من الصين الى سواحل الاطلسي، وشكل الجانب الاكبر من مكونات فكر ووجدان كل ناطق بالعربية، فلا يوجد اليوم انسان عربي من المحيط الى الخليج لا يجري في عروق كيانه الثقافي دم من العراق، ولذلك، كما قال شوقي: كلما أنَّ بالعراق جريح لمس الشرق جنبه في عمانه

طباعة Email