الخميس غرة صفر 1424 هـ الموافق 3 ابريل 2003 يبدو ان بوصلة أهداف الحرب قد ضاعت تماماً من أيدي القوات الأميركية في صحراء العراق، فلقد بدا واضحاً من صور الحرب وأخبارها وخفاياها، وبعد أسبوعين من اطلاق أول صواريخها، على بغداد فجر الخميس (20/3/2003) ان الأميركان هم الوحيدون الذين ما زالوا مصرين رغم انكشاف كل المستور والمخبوء على ان حربهم نبيلة جداً، وبأنها حرب تحرير لشعب عانى كثيراً من تسلط حكامه وهو يستحق الحرية بجدارة.. حسب تعبير الرئيس بوش!! الأميركيون لا يتحدثون أبداً عن صفقات اعادة الإعمار التي بدأت توزع على الشركات الاميركية، ولا عن ادارة موانيء العراق، ولا عن صفقات اطفاء حرائق البترول، ولا عن صفقات شركات الأسلحة، ولا عن... ولا عن... انهم غارقون حتى آذانهم في تحرير العراق! وترتيب المزيد من المؤتمرات الصحفية، والمزيد من قوانين محاصرة الصحافة وخنق الإعلام كي لا تفوح روائح النفط من ثياب الجنود، وكي لا تفتضح العمولات الخيالية التي يتقاضاها كبار مستشاري الادارة الأميركية! الأميركيون لا يتحدثون عن سوء التقدير لكل شيء في العراق والذي أوقعهم في ورطات عسكرية لا أول لها ولا آخر بالرغم من ان سوء التقدير في مخططات الحرب الحالية أكبر من ان يتم تجاهله أو يغض البصر عنه لأنه السبب المباشر في هذا التعثر الذي يعانون منه، والذي أوصلهم الى تصرفات تفضح تورطهم الكبير، ولعل الخلافات التي بدأت تطفو بين كبار صقور الادارة الأميركية خير دليل على فشل الخطة العسكرية والاعتراف الضمني بسوء التقدير الذي أوله وأخطره الرهان الخاسر على رد الفعل الشعبي العراقي على العدوان، والتأكيد على ان العراقيين سيستقبلون الغزاة بصفتهم فاتحين محررين، مما سيجعل مهمة الجيوش الأميركية سهلة جداً في الوصول الى بغداد خلال بضعة أيام!! وكما وقع المخططون وراسمو استراتيجية ومخطط غزو العراق في سوء التقدير العسكري ما أدى الى وقوعهم أسرى المفاجأة المترتبة على صلابة المقاومة، ورفض العراقيين التعاون مع الغزاة، وتمسكهم بخيار الدفاع عن العراق الوطن وليس عراق صدام، فإن كبار العسكريين الأميركان والمستشارين ومراكز الأبحاث المعتمدة لدى البنتاغون والبيت الأبيض تقع مجدداً في سوء التقدير السياسي فيما يتعلق بادارة العراق مستقبلاً في حالة التمكن من السيطرة على بغداد وازاحة نظام صدام، وهنا سيقع الأميركان أسرى مفاجأة من نوع أكبر وهي رفض العراقيين التعاطي مع ادارة يروجون لها علناً بأنها ستكون (اسرائيلية) الهوى والتطلعات وأميركية القلب والقالب. ماذا نتوقع مستقبلاً نتيجة كل هذا السوء في التقدير؟ ونتيجة هذا الواقع الواضح للرفض العراقي شعباً وأرضاً للوجود الأجنبي (ماضياً وحاضراً ومستقبلاً)؟ لا نتوقع سوى المزيد من التدمير والابادات الجماعية، والمآسي الانسانية، فالأميركان جاؤوا الى العراق بذهنية الرجل الأبيض صاحب الحضارة التي يجب أن يخضع لها هؤلاء (العبيد) كما أسماهم بوش في أحد خطاباته، وعلى ذلك فلا بأس من التضحية بهم ـ انهم عبيد في نهاية الأمر ـ وللولايات المتحدة تجربة تاريخية صارخة في هذا المجال لا نظنهم قد نسوها! 13 وزيراً أميركياً بزعامة ادارة اسرائيلية التوجه يقودها جنرال متقاعد له صلات وثيقة باسرائيل، هو جاي غارنر، وقد يطرح اسم جيمس وولسي المدير السابق للمخابرات المركزية الاميركية، والرجل كما يقول أحد الكتّاب مرشح قوي للفوز بجائزة أكثر الأميركيين تأييداً لحزب الليكود الاسرائيلي. هذا هو شكل الادارة التي ستقود العراق ما بعد (التحرير) فكيف سيتعامل معها العراقي المقاوم بكل ارث الرفض العربي لاسرائيل وبكل التراث العربي في المقاومة ورفض الاحتلال؟ أعجبني محلل لبناني تساءل على احدى المحطات الفضائية قائلا: ماذا تريد الولايات المتحدة من العراق؟ تريد أن تحتله (العمى) يعني تريد ان ترمينا 100 سنة للوراء؟! نعم هذا ما تريده الولايات المتحدة تحديداً!