الخميس غرة صفر 1424 هـ الموافق 3 ابريل 2003 ربما بوسع ادارة بوش ان تخادع العالم لكنها حيال يهود اميركا لا تملك ان تحبس الحقيقة.. فهنا يقف رجال الادارة الاميركية وقفة الخدام ازاء الاسياد. احدث مناسبة كانت اجتماعا هذا الاسبوع لما يسمى «اللجنة الدولية العامة الاميركية الاسرائيلية» التي تعرف اختصارا باسم «ايباك» ـ وهي ببساطة الآلية الصهيونية الخفية التي تحكم اميركا عبر اي ادارة في اي وقت. نيابة عن ادارة بوش خاطب وزير الخارجية كولن باول هذا الجمع اليهودي الفريد.. فما كان له ان يكتم الحقيقة وراء اشعال الحرب الاميركية على العراق. «اسرائيل تعيش في رعب مستمر ومن حقها ان تعيش في امن وسلام» ورغم وضوح هذه الديباجة قرر الوزير الاميركي فيما يبدو ان يكون اكثر وضوحا في تعليل الهجمة الاميركية على العراق.. فقال: «سوف نزيل اسلحة صدام الرهيبة التي تهدد اسرائيل». هذا اذن هو الهدف الحقيقي من وراء الحرب: تأمين حماية اسرائيل وضمان بقاء تفوقها في منطقة الشرق الاوسط بتدمير اي قوة اخرى في المنطقة يمكن ان تمثل خطرا راهنا او مستقبليا على الدولة اليهودية، وكما قال الناطق الرسمي باسم وزارة الخارجية السورية فان وزير الخارجية الاميركي كان يقدم امام اللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة كشفا عن آخر انجازاته «للتأكيد على ما تفعله الادارة الاميركية في منطقتنا بما يخدم اسرائيل ومصالحها ومخططاتها». ان سوريا ـ كما هو معلوم ـ احدى ثلاث قوى تعتبر من وجهة نظر الولايات المتحدة مهددات رئيسية للامن الاسرائيلي القوتان الاخريان هما المقاومة الفلسطينية المسلحة وايران. ذلك كان محور حديث باول الى اجتماع اللوبي اليهودي في سياق شرح اهداف الحرب الدائرة في العراق ويبدو الخط المنطقي العام الذي تبناه باول في خطابه كما يلي: تدمير العراق ماديا وسياسيا وبالتالي تهميشه في معادلة الصراع العربي الاسرائيلي بما يخلق مناخا انهزاميا جديدا في العالم العربي يسمح بسحق «الارهاب» الفلسطيني (هكذا تسمي واشنطن المقاومة الفلسطينية) نهائيا. لكن اذا دخلت سوريا او ايران او كلتاهما على خط الحرب ليس ضد نظام استبدادي اوحد، وانما ضد العرب والمسلمين فيتخذ الصراع بذلك اطاره الصحيح الاعرض، مما يجعل اميركا واسرائيل تترددان في تطبيق مشروع القضاء على المقاومة الفلسطينية المسلحة. هذا هو معنى التهديد الذي وجهته واشنطن الى كل من سوريا وايران في سياق مسار الحرب. لقد قال باول ان سوريا «سوف تدفع ثمن مساندتها للرئيس العراقي صدام حسين» وقال ان سوريا مسئولة عن اختياراتها وعن تداعيات هذه الاختيارات» وفي الوقت نفسه حذر ايران من «تقديم» اسلحة نووية الى «الارهابيين» ودعا باول الدولتين الى «وضع حد فوري لاي دعم توفرانه لمجموعات ارهابية». «حزب الله» اللبناني هو مفتاح الشفرة لفهم التهديدات الموجهة من واشنطن الى كل من دمشق وطهران فمشاركة سوريا على نحو او آخر في الحرب الدائرة في العراق بصورة مباشرة او غير مباشرة لصالح المقاومة العراقية، قد يحفز طهران الى تشجيع المقاومة الوطنية اللبنانية ممثلة في «حزب الله» وقواته المقاتلة على فتح جبهة ثانية لاشعال قتال مع اسرائيل، ولو تحقق هذا التطور المزدوج فان مشهد الحرب على العراق قد يتغير من مشهد عراقي محلي الى مشهد عربي ـ اسلامي من جانب واميركي ـ اسرائيلي من الجانب الآخر، اذا تحقق هذا فان التداعيات الحتمية على صعيد العالم العربي والاسلامي ربما تكون جسيمة، ومن بينها احتمال تدفق مجاهدين متطوعين الى الارض العراقية. ومما يغري بان مثل هذه التداعيات قد تحدث فعلا، ان دمشق اعلنت قبل يومين وللمرة الاولى منذ اندلاع العدوان الاميركي على العراق، اين تقف من هذه الحرب. لقد خير باول سوريا بين الوقوف الى جانب العراق او الوقوف على الحياد، وعلى الفور ردت دمشق بانها اختارت ان تكون الى جانب الشعب العراقي «الذي يواجه غزوا غير مشروع وغير مبرر حيث ترتكب بحق هذا الشعب الصامد كل انواع الجرائم ضد الانسانية»، واتبعت دمشق هذا الموقف الصارم بفتح الطريق لمن يرغب من «المتطوعين» السوريين والعرب. لقد بات ثابتا الآن بعد اسبوعين من بداية العدوان الاميركي على العراق ان هذه الحرب قد يطول امدها من اسابيع الى شهور، ومن المبكر الجزم بمدى طولها الزمني على وجه الدقة او نتائجها، لكن في كل الاحوال فانه كلما طال امد الاشتباكات وكلما تشعبت فان ذلك لن يكون في صالح الولايات المتحدة، لان استمرار الحرب بمرور الايام والاسابيع سوف يؤدي الى توسع اطارها السياسي، لتتخذ بذلك اطارا اقليميا وايديولوجيا اكبر.