الخميس غرة صفر 1424 هـ الموافق 3 ابريل 2003 العلاقة بين تقييد الوعي وتطويقه وبين عدم الاحساس بتحمل المسئولية والشعور بالتبلد الذهني لدى المستهدفين بالحصار الفكري ، علاقة طردية والزواج بينهما زواج أبدي لا طلاق معه، رجعياً كان او بائناً. فالوعي المقيد هو نوع من الهيمنة الفكرية على العقول بحيث يحرم الافراد من التعرف على الافكار والاتجاهات المختلفة، وتصادر حقهم في تكوين قناعاتهم الخاصة، واختيار المواقف الفكرية والسياسية، التي تعبر عن تلك القناعات بغض النظر عن مدى تطابق او اختلاف هذه المواقف مع اتجاه النظام الحاكم. واللافت انه عبر التاريخ مارس الاستبداد السياسي تطويقاً فكرياً ضد الشعوب من اجل تغييبهم عن معرفة اخطائه وصرفهم عن محاسبتهم على جرائمه طالما ان مرجعيتهم الفكرية لا تتجاوز مصادر المعلومات المكيفة والمقننة وفق مشيئة الحاكم المستبد والتي تقصر بهم عن تسمية الأشياء بمسمياتها، وادراك خطورة الاستسلام للاخطاء بغض النظر عن الجهة التي يصدر منها. ومع الستار الحديدي المضروب على العقول، والغربلة الفكرية التي يمارسها النظام المستبد ضد ابناء الشعب تنخفض فاعلية الافراد الى الدرجة المتدنية، وتصبح مسميات مثل: (الديمقراطية، الحرية، استقلال الشخصية، المرونة في عرض الافكار) اشياء لا معنى لها في اذهانهم وازاء التربية المنغلقة والسياسة المتطرفة في استعباد الناس وقسرهم على رؤية الاشياء كما يراها النظام ينقطع الامل في التغيير الا اذا حدث تمرد فكري على هذا الحصار، وانطلقت اصوات تنادي بفتح الابواب امام المعرفة دون قيد او شرط. ومما يحسب للثورة في عالم الاتصال انها تولت وبنجاح مذهل مهمة اعادة تربية الانظمة القمعية، ولقنتهم درساً عملياً في محدودية سلطتهم، وعجزها عن حصار السماء كما حاصرت مصادر المعرفة التقليدية على الارض! فلقد انطلق مارد الاتصالات يخترق الجغرافيا، والانظمة ويتابع ما يجري من احداث في دول العالم اولاً بأول، ويعيد تشكيل العلاقة بين الحاكم والمحكوم وفقاً لقاعدة جديدة مفادها: ان المعرفة حق شرعي لكل انسان، وان الاختيار هو الحصاد النهائي للوعي، والثمرة الحتمية للتعرف على الافكار والمقارنة بينها. ومع انطلاقة هذه الثورة في عالم الاتصال بدأت تتهاوى حواجز الخوف والرهبة والقلق من المجهول، وبدت الحياة اكثر اتساعاً، وبدأت ألوان الطيف تتراءى للعيان في مشهد جديد، كان من المتعذر رؤيته بمثل هذا الوضوح في العقود المنصرمة. وقد ادى التطور السريع والمذهل في وسائل الاتصال الى حدوث تغيير شامل في فهم العلاقة بين الحاكم والمحكوم واخذت المسافة الفاصلة بينهما تضيق ايذاناً ببداية عهد جديد ترفع فيه القداسة عن فكر الاستبداد، وتحجب حق الحصانة عن اولئك الذين مارسوا وصاية فكرية على شعوبهم، وحجراً على حقوقهم الطبيعية في التعبير عن الرأي. وبدون ادنى مبالغة استطاعت ثورة الاتصالات ان تحرك النار النائمة تحت الرماد، وتشعل جذوة الرغبة في صياغة الواقع الملبي للطموح والآمال، واستطاعت ان توجه ضربات عنيفة للطغاة حين اعطت المجال عبر الصحافة المرئية والمكتوبة للجميع ليدلوا برأيهم في ممارسات الاستبداد. ويمارس المنصفون منهم نقدا موضوعياً علنياً ضد الظلم بشتى صوره واشكاله، ويحاكمون ـ ولو نظرياً ـ كل من يصادر حرية التعبير ويجفف منابع الفكر الحر ويهيمن على العقول في زمن تنوعت فيه المصادر التي تضخ المعلومات دونما اذن مسبق. لقد ادت ثورة المعلومات التي تزامنت مع ثورة الاتصالات الى حصول درجة متقدمة من الوعي لدى البسطاء وانصاف المتعلمين وعامة الناس، واختصرت على الانسانية مراحل كثيرة اثناء رحلتها الشاقة للحصول على مكاسب حقيقية للانسان اينما وجد، وفي اي بيئة كان