العقدة التركية الكردية في الحرب الاميركية على العراق، بقلم: رياض ابو ملحم

الاربعاء 30 محرم 1424 هـ الموافق 2 ابريل 2003 اذا كانت الادارة الاميركية اكتشفت وجود خلل كبير في الخطط التي وضعتها لغزو العراق، كما دلّت نتائج المرحلة الاولى من حملتها العسكرية البرية والجوية والبحرية الضخمة، وخاصة بالنسبة لما تعرّضت له قواتها المشتركة في الجنوب العراقي، الا انها تحمل تركيا مسئولية رئيسية عن جزء من هذا الخلل بسبب رفضها السماح لعدة فرق عسكرية اميركية مدرعة (يقدر حجمها بنحو 62 الف جندي) بعبور الاراضي التركية الى شمال العراق وفتح جبهة رئيسية من هناك توازي الجبهتين الجنوبية والغربية. ونتيجة لذلك، ترتفع اصوات متزايدة داخل الولايات المتحدة تطالب بمعاقبة انقرة على موقفها هذا، بدلاً من السعي لابرام صفقة جديدة معها تحصل بموجبها على منحة اميركية تقدر بنحو مليار دولار، وعلى ضمانات قروض تصل الى ثمانية مليارات دولار، وفقاً لنتائج اخر مرحلة من المساومات الجارية. وبعيداً عن المساومات المادية التي رافقت المفاوضات الاميركية ـ التركية السابقة في شأن السماح باستخدام الاراضي التركية لغزو العراق ـ قبل ان يتخذ البرلمان التركي قراره الحازم برفض الاقتراح كلياً ـ يرى المحللون ان هذا الفشل في ساحة المعركة يعود اساساً الى الاسلوب التبسيطي الذي تعالج به الادارة الاميركية قضية غزو العراق واحتلاله وتغيير نظامه القائم بالقوة، وكذلك الى عدم فهم الوضع المعقد في شمال العراق. وكما ان مخططي هذه الادارة لم يقيموا اي اعتبار لاحتمال حدوث مقاومة عراقية جدّية تهدّد القوات الغازية وتعيق تقدمها، فقد غابت عن اذهانهم، ربما، خطورة الصراع التاريخي التركي ـ الكردي والتوتر الدائم الذي يميّز علاقات الطرفين، وبالتالي كيفية اقامة جبهة شمالية موحدة ومتماسكة برغم التناقضات القائمة. حلول تلفيقية وبسبب هذه النظرة التبسيطية (فيما يتعلق بجبهة الشمال) فقد حاولت الادارة الاميركية، وبسرعة شديدة، ايجاد حلول تلفيقية لمجموعة من القضايا المعقدة. ومن ذلك على سبيل المثال: اولاً: بنت ادارة الرئيس جورج بوش خطتها على ان الحكومة التركية ستكون مستعدة للموافقة على كل ماتقترحه في اطار عملية غزو العراق، برغم ادراكها ان هذه الحرب ستسبب خسائر فادحة لتركيا، حتى ولو لم تشارك فيها بأي جهد عسكري مباشر. وقد دلّت المساومات التي جرت بين الجانبين على ان الحكومة التركية، التي تواجه اوضاعاً اقتصادية صعبة جداً، سعت اولاً لثني الادارة الاميركية عن قرار الحرب، ومحاولة معالجة المشكلة العراقية بالوسائل السلمية، ولما فشلت في مسعاها حاولت الحصول على معونات اقتصادية تعوض بها بعض خسائرها المتوقعة. لكن واشنطن ظلت تناور وتماطل وتتلاعب الى ان وجدت نفسها ـ تحت ضغط عامل الوقت ـ امام خيارين لا ثالث لهما: اما الموافقة على المطالب التركية التي يصل حجمها المادي الى نحو ثلاثين مليار دولار (تشتمل على منح وضمانات قروض)، بالاضافة الى الحصول على ضمانات سياسية جدية بعدم اقامة اكراد العراق دولة مستقلة في حال سقوط النظام العراقي، واما التخلي عن فكرة الجبهة الشمالية، (و ـ على الاقل ـ عن استخدام الاراضي التركية كمعبر لفتح هذه الجبهة). وبعد ان تم الاتفاق على شروط الصفقة، وفقاً للخيار الاول، كانت المفاجأة برفض البرلمان التركي لها، وهو الذي يستند الى قاعدة شعبية اسلامية عريضة يمثلها حزب العدالة والتنمية الحاكم بزعامة رجب طيب اردوغان. وقد فشلت الضغوط الاميركية اللاحقة في احداث اختراق يؤدي الى تغيير القرار التركي، الامر الذي حمل الطرفين على البحث عن وسائل بديلة تمكّن الاميركيين من اقامة تواجد عسكري مؤثر في الشمال العراقي، والحصول على تسهيلات داخل الاراضي التركية من نوع استخدام بعض الموانئ البحرية والقواعد الجوية العسكرية وعبور الطائرات الاميركية اجواء تركيا. وقد تم كل ذلك، ولكن عبر طرق ملتوية، بدعم من المؤسسة العسكرية التركية. ثانياً، تحوّلت الادارة الاميركية نحو القوى الكردية في شمال العراق، وفي اعتقادها انها تستطيع، عبر لعبة مزدوجة تمارسها بين تركيا والاكراد فتضغط على كل من الطرفين من خلال اثارة مخاوفه من الاخر، ان تحقق غايتها بغرض وجودها بين الجانبين كصمام امان يمنع اي تصادم بينهما. وفي الوقت الذي كانت القوات الاميركية تواصل انزالها المظلي في منطقة «حرير» الكردية لاقامة قاعدة رئيسية تنطلق منها في عملياتها العسكرية المقبلة، كان مبعوث الرئيس الاميركي الى المنطقة زلماني خليل زاده يجري اتصالات مع الطرفين: التركي والكردي، للاتفاق على صيغة توفّر حداً ادنى من التفاهم بينهما. وهذا «الحد الادنى» من التفاهم يتمثل في نقطتين رئيسيتين: النقطة الاولى، عدم دخول القوات التركية الى شمال العراق، وهو الامر الذي تهدّد به الحكومة التركية دائماً بذريعة منع الاكراد من اقامة دولة مستقلة، وحماية الاقلية التركمانية التي تتواجد في بعض مدن الشمال العراقي، لا سيما في مدينة كركوك النفطية. والنقطة الثانية، تعهّد سلطة الحكم الذاتي الكردية (عبر ممثليها الرئيسيين: الحزب الديمقراطي الكردستاني بزعامة مسعود بارزاني، والاتحاد الوطني الكردستاني بزعامة جلال الطالباني) بعدم اقامة دولة كردية مستقلة في حال اطاحة النظام العراقي الحالي، وتحقيق المساواة الكاملة بين مواطني الاقليم، بما في ذلك الاقلية التركمانية. ويضاف الى هذين الشرطين ان اي هجوم يشن على مدينتي كركوك والموصل سيكون بقيادة القوات الاميركية وتحت امرتها، وبذلك تكون المشاركة الكردية محكومة بالضوابط والضمانات الاميركية. وعلى هذا الاساس اعلن زلماني خليل زادة ان «لدينا تفاهماً مع «البشمركة» ينص على انهم سيكونون تحت قيادة الجنرال تومي فرانكس (قائد القوات الاميركية في الحرب على العراق). محاذير تركية ثالثاً: ثمة مشكلة تتعلق بمقدار ونوع المشاركة الكردية في العمليات العسكرية المقبلة. ففي حين يبدو جلال الطالباني متحمساً للمشاركة في الحرب، وفقاً لما تراه القيادة الاميركية، يفضل مسعود بارزاني عدم التورط في هذه الحرب حتى لا يصبح مجرد اداة من ادواتها وبعيداً عن اهدافه الوطنية ومصلحة شعبه. وهو لذلك يحرص على التأكيد بأنه يتخذ «موقفاً دفاعياً». بيد ان مسألة الاستيلاء على مدينة كركوك، التي يعتبرها الاكراد عاصمة لحكمهم الذاتي، ستشكل اختباراً حقيقياً لمدى التزام الاطراف المعنية بالتفاهمات الحالية، اولاً في ما يتصل بالعلاقة الاميركية ـ الكردية من جهة والعلاقة الاميركية ـ التركية من جهة اخرى. وثانياً بالعلاقة الكردية ـ الكردية، وثالثاً بالعلاقة الكردية ـ التركية انطلاقاً من الوضع الخاص بالاقلية التركمانية في كركوك. ثم يأتي بعد ذلك دور ما يمكن ان يسمى طبيعة العلاقة التي ستقوم بين الاكراد والنظام المقبل في العراق، ومدى ارتباط منطقة الحكم الذاتي الكردية بالسلطة المركزية في بغداد. رابعاً: في حال اندلاع القتال على نطاق واسع، كما هو متوقع، تبرز مخاوف كبيرة من حدوث حركة نزوح واسعة من مناطق القتال الى خارج الحدود الشمالية، وهو ماسيعطي الحكومة التركية ذريعة للتدخل المباشر. وتعبّر هذه الحكومة عن خشيتها من ان تستغل عناصر حزب العمال الكردستاني حركة النزوح للتسلل عبرها الى داخل تركيا لاثارة الاضطرابات والفوضى في مناطق شرق الاناضول حيث يعيش ملايين الاكراد (نحو 15 مليوناً) من الطامحين للانفصال عن الدولة التركية واقامة دولتهم المستقلة. ويقول رئيس اركان الجيش التركي الجنرال حيم اوكوزوك ان هناك اربعة اسباب قد تدفع القوات التركية لعبور الحدود نحو العراق، اولها «احتمال تعرض قواتنا لأي هجوم»، وثانيها «النزوح الكثيف للاجئين والخوف من تسلل عناصر حزبية معادية»، وثالثها «احتمال حدوث تقاتل بين الاطراف الكردية يؤدي الى زعزعة الاستقرار في المناطق التركية المحاذية»، ورابعها «الهجوم على السكان المدنيين». (وهو يقصد الاقلية التركمانية في شمال العراق). خامساً، في ضوء طبيعة المعارك التي شهدتها مناطق الجنوب العراقي، حيث تكبدت القوات الاميركية والبريطانية الغازية خسائر جسيمة، برزت مخاوف جدية لدى الاكراد من ان تحاول القيادة العسكرية الاميركية استخدامهم كـ «وقود» في معارك الشمال المنتظرة (وربما في معارك السيطرة على بغداد) على غرار الدور الذي لعبته قوات التحالف الشمالي في افغانستان، وذلك بهدف التقليل من الخسائر الاميركية، ومن الواضح ان زلماي خليل زادة يتخذ من التجربة الافغانية مثالاً في العديد من الخطوات التي يرسمها حالياً لمرحلة ما بعد نظام الرئيس صدام حسين. وقد شدّد خلال زيارته الاخيرة لمنطقة الحكم الذاتي الكردي على ضرورة «تشكيل حكومة عراقية انتقالية.. وبسرعة، على ان تتشكل تحت الادارة الدولية». وقال موضحاً انه «يمكن عقد مؤتمر لاعلان هذه الحكومة على غرار ما حصل في افغانستان». ويشار في هذا المجال الى ان الخطط الاميركية الخاصة بغزو العراق كانت تشتمل على اقامة ادارة محلية تحت اشراف قائد القوات الاميركية تومي فرانكس، ولكن نظراً للمعارضة الشديدة التي لقيها هذا التوجه من اطراف عديدة، داخلية وخارجية، تحوّل الحديث الى تشكيل حكومة تضم معارضين من الخارج وعناصر من داخل العراق. وثمة توقعات بالاسراع في تشكيل هذه الحكومة، اذا ما طالت المعارك الخاصة باسقاط النظام الحالي، وذلك لايجاد سلطة موازية او بديلة للسلطة المركزية. ومن المحتمل ان يكون مقر هذه الحكومة في شمال العراق، اذا ما تعذّرت السيطرة العسكرية الكاملة على المناطق الجنوبية، وخصوصاً مدينة البصرة التي كان من المقرّر ان تكون القاعدة الرئيسية لقوات الغزو نظراً لقربها من ميناء ام القصر الحيوي، ومن الحدود الكويتية حيث تتمركز القوات الاميركية الرئيسية، ومن منابع النفط ومصافي التكرير. ولا يخفى الاهتمام الخاص الذي توليه القيادة العسكرية الاميركية لمسألة السيطرة على حقول النفط، وهو ما يعكس احد ابرز اهداف الغزو الاميركي ودوافعه الحقيقية. السيناريو المخرج حيال هذه التعقيدات التي ينطوي عليها الوضع في شمال العراق، وبسبب تعذر حشد قوات اميركية كبيرة في المنطقة قادرة على فتح جبهة شمالية فعالة، ولأن العامل التركي في المعادلة سيظل ضاغطاً على جميع القوى الخارجية والمحلية، ثمة من يطرح سيناريو اخر قد يشكل مخرجاً لمختلف الاطراف. ويتمثل هذا السيناريو بالاحتفاظ بالضغط العسكري الحالي في الشمال مع مواصلة القصف الصاروخي على مواقع القوات العراقية، وهو ما يؤدي الى تجميد عدة فرق عسكرية عراقية رئيسية في مواقعها حول مدينتي كركوك والموصل والحيلولة دون مشاركتها في الدفاع عن السلطة المركزية في بغداد، في حين تركّز قوات الغزو ضغطها الكامل على العاصمة العراقية. واذا امكن اسقاط نظام الرئيس صدام حسين في نهاية الامر، يصبح من السهل معالجة اوضاع مدينتي الموصل وكركوك، لا سيما المناطق النفطية، وفي ظروف هادئة، او اقل حدة، ما يؤدي عملياً الى تجنب اثارة الحساسيات القائمة والدخول في مخاطر حدوث مواجهات بين القوى التي تباعد بينها قضايا خلافية كبيرة. ان رغبة القيادة الاميركية في تقليل حجم خسائر قواتها قد يدفعها الى التفكير جدياً في مثل هذا السيناريو، خصوصاً وان معركة اقتحام بغداد، المتوقعة في المرحلة التالية من العمليات العسكرية، ستؤدي الى وقوع خسائر كبيرة. وفي هذه الحالة سيتم الاحتفاظ بقوات اميركية محدودة في المناطق الشمالية، مما يتيح للقيادة الاميركية تحويل معظم قواتها المنقولة عبر الكويت، لمحاصرة بغداد، حيث المعركة الرئيسية والفاصلة، وحيث يتوقع دائماً ان تبرز مفاجآت تتجاوز كل الحسابات والتقديرات. مع ذلك، وربما لاجل كل ذلك، تظل الادارة الاميركية تشعر بغصة مريرة من الموقف التركي، وذلك لاعتقادها بأن انقرة فوتت عليها فرصة اقامة جبهتين رئيسيتين متوازيتين للانقضاض على بغداد بسرعة، مما اوقعها في المأزق الراهن، حيث يتعين عليها مضاعفة حجم قواتها في العراق، واطالة امد المعارك التي ستجري لاحقاً. وخلال المواجهات التي يتوقع لها ان تطول كثيراً، وربما لعدة اشهر، يكون الصيف قد اقبل بحرارته اللاهبة، وحيث تقل قدرة الجنود على التحمل والقتال في ظروف مناخية شديدة القسوة. ولعل هذا بالضبط ماكانت تريده القيادة العراقية. ـ كاتب لبناني مقيم في فرنسا

طباعة Email