الثلاثاء 29 محرم 1424 هـ الموافق 1 ابريل 2003 الحرب الدائرة على بعد خطوات من كل مكان في العالم لم تكشف لنا نظام صدام حسين وديكتاتوريته وتعديه على حقوق شعبه، فنحن نعرفها جيداً، إن هذه الحرب المجنونة في العراق كشفت لنا ادعاءات الديمقراطية الأميركية، كشفت لنا زيف أميركا وكذبها الذي مارسته علينا عقوداً طويلة، لم نكن بحاجة للحرب لنتعرف على ديكتاتورية صدام، لكننا كنا بحاجة لأن نقف في مواجهة لحظة الحقيقة، لحظة انتزاع الأقنعة الجميلة من على وجه مغرق في البشاعة والبراغماتية والارهاب. وأول الأقنعة التي سقطت هو قناع الإعلام الحر والموضوعي والمحايد، فإذا لا حرية ولا موضوعية ولا حياد، وإذا الولايات المتحدة قد استنسخت من عدو الغرب الأول (هتلر) قاعدته الذهبية، ووزيره المقرب غوبلز وزير الدعاية في حكومة الفوهرر الذي قاد إعلام النازي وفق قاعدة «اكذب اكذب حتى يصدقك الناس»! الحرب لم تفعل شيئاً سوى انها نزعت القناع ليبدو وجه غوبلز واضحاً على صفحات كل الجرائد الأميركية العملاقة ذات الوزن والتاريخ، وعلى كل المحطات التلفزيونية الضخمة ذات التأثير والشعبية، فإذا الكل يكذب من أجل حماية النظام الحاكم في واشنطن ومن أجل الأمن القومي وحماية حقوق الانسان! آخر الاخبار في هذا الاتجاه تقول بأن احدى شبكات التلفزيون الأميركية المتواجدة بكثافة في أرض المعركة قد استغنت عن أحد أهم مراسليها وهو المراسل الذي غطى حرب الخليج الثانية عام 1991 بسبب تصريحاته للتلفزيون العراقي حول فشل الخطط والاستراتيجيات الاميركية في العراق! كما سقط قناع آخر كان قد تهرأ كثيراً في أماكن اخرى من العالم، لكننا إما لم نسمع بسقوطه، وإما أننا لم نصدقه بسبب انبهارنا بالقيم والدعايات الأميركية، ذلك هو قناع الديمقراطية وحقوق الانسان، فأين هي الديمقراطية إذا كان رئيس الدولة رافعة لواء الديمقراطية قد جاء الى كرسي البيت الابيض بانتخابات وأصوات مشكوك فيها حتى اللحظة الأخيرة؟ وأين هي الديمقراطية وهذا الحاكم مع أركان دولته يصمون آذانهم فلا يسمعون صرخات سكان العالم في جهاته الأربع ضد الحرب وضرورة ايقافها؟ أين الديمقراطية في حرب وقودها أبرياء ومحارقها نساء وأطفال ما زالوا يرسمون الخط الأول في كراسة أحلامهم ومستقبلهم؟ أية ديمقراطية يريد بوش أن يمنحها للعراقيين بينما هو يكيل عليهم قنابله وصواريخه ونيران مدافعه؟! سقط القناع عن وجوه كثير من الأنظمة العربية الرسمية الممعنة في صمتها وتواريها، وكأن ما يحدث في العراق مهرجان ألعاب نارية تنفذه وزارة الدفاع الأميركية لتسلية الرئيس بوش ووالدته بمناسبة عيد الأم! أو كأن هذا الدم الطاهر الذي يتدفق من أجساد أطفال العراق وشبابه لا يعنينا أو كأننا لا نعرفهم! سقطت كل الأقنعة.. ما عاد شيء يدفع للتصديق أو الاقتناع سوى ما يحدث في أرض المعركة، أرض الرافدين التي قال شاعرها منذ قرون للمعتصم الذي هب لنجدة المرأة التي استنجدت بشهامته صارخة (وامعتصماه)، تلك الصرخة التي ما زالت أصداؤها تتردد في أذن الزمان، والتي لأجلها جهز المعتصم جيوش الدولة متعمداً بالنخوة العربية ومباديء الحق والعدالة متقلداً سيفه وقول الشاعر: السيف أصدق أنباء من الكتب في حده الحد بين الجد واللعب نعم، يستفزنا بوش بتصريحاته، بل هو يحرث بسكينه في عمق قلوبنا وجراحاتنا وقهرنا حينما يقف متباهياً بانتصارات جيوشه وبأنهم يحققون المهمة على الوجه الأكمل! فيتعالى هتاف من حوله وتصفيقهم، بينما يتساقط شهداء الحرية ويتدفق النزيف، ويعلو صهيل الأرواح في مدن العراق. نعم يا سيادة الرئيس الديمقراطي: انكم تقتلوننا كما خططتم وعلى الوجه الأكمل!