استراحة البيان، يكتبها اليوم: قاسم سلطان، استهتار بعقول وأرواح البشر

الثلاثاء 29 محرم 1424 هـ الموافق 1 ابريل 2003 حاولت الكتابة مرة أخرى في مواضيع تتناسب و«استراحة البيان» لاراحة القراء من الهموم اليومية، لكنني بصراحة لم أتمكن من ذلك، لأننا نعيش هذه الأيام وعلى مدى الأربع وعشرين ساعة، واقعاً مراً ليس من السهولة عدم التفاعل معه أو تجاهله. فالعدوان الأميركي البريطاني على العراق، وعلى الشعب العراقي، والحرب المدمرة الدائرة هناك تعيش معنا في كل دقيقة، وتزيد من فظاعة ما يجري في الأراضي المحتلة. إن هذا الاعتداء الظالم على الشعب العراقي بحجة تحريره من حاكم ظالم، كما يقال: دعوة حق يراد بها باطل، ولو كان ذلك صحيحاً، فالشعب الفلسطيني أولى بذلك وهو يطالب منذ سنين بتحرير أرضه من احتلال صهيوني ظالم استحل أرضه ويحكم ظلماً وعدواناً. إن التاريخ يشهد على ان الاستعمار البريطاني الذي كانت تحكمه القوى الطامعة في ثروات الشعوب في العصور الماضية، والتي استعمرت أكثر الدول في آسيا وافريقيا ومنها الدول العربية، هي القوى ذات النزعة الاستعمارية نفسها التي تحكم أميركا في الوقت الحاضر، وهم لا يخفون ذلك، ويصرحون به علناً عندما قرروا الحرب على العراق وساندوا ويساندون العدوان الصهيوني على فلسطين. وبعض الحكومات العربية تدفن رؤوسها في الرمال ـ كما تفعل النعامة ـ ويقولون فعلنا كل ما في وسعنا!! لكن ماذا فعلوا؟! هل قام رئيس حكومة أو وزير أو مسئول عربي بالتعبير عمّا تفكر به الشعوب لا ما تفرضه المصالح؟ هل قام أحدهم بالاعتصام أو بتقديم استقالته احتجاجاً على ما يجري؟ وهذا أضعف الإيمان، كما فعل بعض الوزراء في بريطانيا وبعض المسئولين في أميركا. هل ظهر أحدهم علناً وندد بالحرب على العراق ودافع عن الشعب العراقي، باعتبار ذلك واجباً قومياً وانسانياً، كما فعلت احدى المحاميات العربيات عندما فكرت برفع دعوى لمحاكمة بوش وبلير باعتبارهما مجرمي حرب؟ وفعلاً قامت بالاتصال بعدد من الجمعيات ونقابات المحامين والحقوقيين العرب والأجانب. ألم يكن في استطاعة أي مسئول عربي القيام بعمل أكبر؟ الواضح ان الشعب العراقي يقاوم ويتصدى للعدوان بكل شجاعة، ونحن علينا أن نحترم ارادته، ونسعى لنصرته، فهو يتعرض لعدوان لاإنساني مبطن بأهداف باطلة كنزع أسلحة الدمار الشامل وتحريره، وذلك بالاعتداء عليه بأسلحة مدمرة على المديين القريب والبعيد، والتي كما قال عنها خبراء غربيون من بني جنس المعتدين انها تحتوي على اشعاعات ضارة سوف يكون لها تأثير في المستقبل على شعوب المنطقة! إذن هو اعتداء علينا وعلى أجيالنا القادمة، لكن كل هذا مقابل ماذا؟! هل من أجل نزع أسلحة الدمار التي لم يستطيعوا اثبات وجودها حتى الآن؟.. أم من أجل القضاء على الإرهاب ـ كما يدعون ـ وهم يمارسونه رسمياً وعلنياً. إن جميع علماء ومفكري وعقلاء هذه الدول يرفضون ذلك، ومنهم بعض رؤساء الولايات المتحدة السابقين أمثال كارتر وكلينتون. أما إدارة جورج بوش فهي تصر على ممارسة العدوان وتدّعي أن التحالف الذي تقوده يتكون من أكثر من 50 دولة، مع ان المعلن عنها حتى الآن لا يزيد على 10 دول!! في حين انها تتهم سوريا وإيران بمساندة العراق.. بماذا؟ بقيام سوريا بنقل معدات إلى العراق ومن بينها مناظير ليلية! هذه الدولة المدججة بالأسلحة الفتاكة وبجيش من أقوى الجيوش في العالم تخشى على جنودها من منظار ليلي! أليس في هذا ما يبعث على السخرية والاستهتار بعقول البشر؟! أيحق لأميركا القوية الاستعانة بخمسين حليفاً ولا يحق للعراق بتعاطف واحد؟! إن حكومة بوش طلبت من الكونغرس تخصيص 75 مليار دولار لنفقات الحرب على العراق، اضافة الى ما هو تحت تصرفها، وقد خصصت 5 مليارات منها لدول حليفة بينها اسرائيل ودولتان عربيتان. وإذا عرف السبب بطل العجب.. لكن شعوب الدول العربية ترفض هذه المساعدات ولن تقبل أن تكون المساعدة موصومة بدماء عربية مهما حاولت هذه الحكومات. أما بعض المثقفين والمسئولين العرب الذين يعتقدون بأن هذه الحرب مبررة غير آبهين بتداعياتها عليهم وعلى كل الشعوب العربية، عليهم أن يقتدوا بالشعب الإيراني الذي خاض حرباً ضارية مع العراق استمرت عشر سنوات ومات فيها الألوف بدعم ومساندة من بعض الدول، مع ذلك ها هو اليوم يتضامن مع الشعب العراقي ويستجيب لصوت الحق والانسانية ويتظاهر ضد العدوان الأميركي. أليس عاراً أن يكون بعضنا أقل تفاعلاً وتعاطفاً منهم؟!

طباعة Email