الحرب النفسية تواكب الحرب المسلحة، بقلم: د. محمد الرميحي

الثلاثاء 29 محرم 1424 هـ الموافق 1 ابريل 2003 نقل عن الرئيس العراقي إبان اشتداد القتال بين العراق وبين الجمهورية الإيرانية انه قال: إن العراق يملك سبع فرق مقاتله، ولكن أشدها فتكا هي الفرقة الثامنة ألا وهي فرقة الاعلام. الإعلام هو الذي يقرر الكثير من نتائج الحرب والسلم، وقد قيل إن آراء الناس هي ما يشاهدونه ويسمعونه مما يصل اليهم من وسائل الإعلام، فهي التي تقرر أجندة المجتمع، وتضع اولويات النقاش للناس، ولقد أمطرنا الاعلام العربي بالكثير في الأسبوعين الأخيرين بذخيرة وافرة من التمنيات، وتحول بعض الجنرالات العرب المتقاعدين.والذين لم يربحوا، بل ربما لم يخوضوا أي حرب في حياتهم العملية، بجملة من التحليلات في الفضائيات العربية، وهي تحليلات لها علاقة بالتمنيات أكثر منها تحليلا موضوعيا لسير المعركة وتوجهاتها العامة، وبعضهم التجأ الى بعض نظريات الحروب التقليدية التي تفيض بها الكتب عن حروب القرن الماضي، فمن المؤكد انه أثناء سير المعارك فان المعلومات التي تظهر إلى العلن ليست إلا النزر اليسير، والاستعجال في وضع النظريات القاطعة والتعميم المريح اعتمادا على هذه المعلومات القليلة والمتناثرة هو خطأ علمي بالغ الخطر. لقد قال لنا كثير من الإعلام العربي قبل أن تنشب المعارك الحالية أن إسرائيل سوف تستفيد من بدء الحرب بترحيل الفلسطينيين الى خارج بلادهم، وبالغوا في ذلك الأمر إلى درجة أن البعض اخذ على عاتقه التأكيد على تلك الفكرة وكأنه مخطط في وزارة الدفاع الإسرائيلية، وصدقها كثيرون، وبدا الآن أن ما قيل كان من قبيل المبالغة المحببة في أوساط بعض الإعلام العربي. عقدة «عراقنام» بالطبع لحق بهؤلاء الوجوه التقليدية التي لها في كل « عرس قرص» فأمطرنا هؤلاء السادة بتحليلات من نوع أن « صدام يخبئ مفاجأة» لا تعرفونها، والسؤال كيف عرفها المحلل الفذ، أو من نوع أن « الشعب العراقي يقاوم»!وليس المنتفعين من النظام، وان هناك عقدة « عراقنام» بعد عقدة فيتنام! الاعلام مثله مثل أي شيء آخر في هذه الحياة ان لم يكن مستندا إلى حقائق ظل البعض يستغله لفترة ولكن تأتي نتيجته متعاكسة على المدى الطويل، فالاعلام المؤثر يعتمد على المعلومات الصحيحة، أما البروبجندا فتعتمد على التكثيف المركز للأكاذيب، ولقد عانينا نحن العرب من ذلك إلى درجة التشبع. ما حدث في الأيام الماضية في العراق له أسبابه الداخلية والخارجية التي يجب تحليلها، فقد قام رئيس النظام العراقي في بغداد خلال الثلاثين عاما الماضية بإشاعة وعي مزيف في جمهور اغلبه غير متعلم عن طريق التجويع والتجهيل والتخويف، وعلى تشكيل عقول جيل كامل من العراقيين، وفي نفس الوقت جند من صفوف هذا الجيل آخرين بعد أن عمل على ملء جيوبهم بالمال وعقولهم بالخوف. الجيوب «المقاومة» قد تبين أنها جيوب وضعها النظام العراقي بعد تجربة 1991 والتي نتج عنها في ذلك الوقت انتفاضة شعبية في معظم محافظات العراق، وكانت دليلا على موقف شعبي عارم لكن لفظ هذا النوع من الحكم المتسلط، وحتى لا تتكرر تلك الحالة وضعت السلطة العراقية هذه الجيوب في المدن العراقية المختلفة وتحت إغراء كبير لمنتسبيها لتحقيق غرضين، الأول والأهم هو كبح جماح الشعب الأعزل من أن يبدأ التحرك بأي اتجاه مضاد للوضع القائم، والسبب الثاني هو أن تقوم هذه الجماعات بتعطيل تقدم قوات الحلفاء حتى يظهر الأمر وكأنه «مقاومة وطنية لجيش غاز»، هذه الجماعات عرفها تاريخ العراق غير المستقر، والذي تغيرت فيه حكوماته في الستين سنة الماضية في المتوسط كل ثلاث سنوات، عرف هذا النوع من المليشيات سواء كانت شيوعية أو بعثية، وهي جماعات يقوم الحزب أو السلطة بتنصيبها من العاطلين والمحتاجين من الشباب المتحمس كسبا للعيش وشيء من السلطة، مثل الحرس القومي في الستينيات الماضية، ذي السمعة السيئة في تاريخ العراق الحديث. حقيقة الأمر أن هناك أمرا أعمق في التحليل وجب علينا سبره، وهو أن قطاعات واسعة من الشعب العراقي لم تكن لديها القدرة أو الفرصة من أن تقول رأيها في ظل النظام القهري الحاكم حتى حينه، وهي بالتأكيد تستطيع أن تعبر عما تريد بعد تحرير مناطقها من سلطته القاهرة، إنما الخطأ القاتل أن تبدأ قطاعات منها في الجنوب العراقي، تريد أن تنتهز الفرصة وفي الوقت الساخن وقبل أن يبرد الحديد لتقول إنها ضد «الوجود الاميركي» أو تشير بعضلاتها السياسية مسايرة الآخرين، وتقوم من جديد بإحياء الشعارات التي أطلقها النظام الحاكم ولم ينطفئ بريقها بعد لدى العامة، تحت عباءات جديدة، لعل ذلك في نظرها أو في نظر قياداتها يكسبها شيئا من المواقع المتقدمة للوصول إلى الحكم والزعامة بعد سكوت المدافع، ذلك خطأ قاتل لان العالم لم يأت إلى العراق، ليبدل زعامات متسلطة، بزعامات أخرى تروم التسلط وتسعى من جديد إلى القهر. في المقابل فان العراقيين في الشمال، الأكراد خاصة، تعلموا من تجربة استمرت الآن أكثر من عشر سنوات فنظموا أنفسهم بشكل أفضل، وأصبح خطابهم السياسي منسجما كثيرا مع طموحاتهم من جهة ومع ما يعرفونه عن النظام الحاكم من شر دونه كل الشرور، ولعل موقف التحالف الذي رفض شروط الأتراك، وفقد بذلك جبهة الشمال كما يحب أن يراها في تسريع نتائج الحرب، هذا الفقدان ليس بسبب طموح الأتراك في المساعدات المالية، ولكنه بسبب طموحهم في اخذ حصة من العراق نفوذا وواقعا بعد الحرب في سبيل فتح حدودهم، إلا أن ذلك رفض من قبل التحالف بناء على وعود أعطيت للأكراد. سباق عبثي ما يقلق في هذا المسار تلك الفتاوى التي نسمع عنها أنها صادرة من هنا وهناك، فان كانت هذه الفتاوى صادرة من أولئك الذي مازالوا تحت سيطرة أركان الطغيان، فهي في الغالب مفروضة بفوهة البندقية وتحت طائلة التهديد، وان هي جاءت من الخارج فهي تصب في انتهازية سياسية لن تنفع الشعب العراقي في المستقبل، بل ربما هي سباق عبثي للتسلط من جديد. المتوقع من أهل العقل جميعا في العراق بكل فئاتهم واجتهاداتهم المختلفة في الداخل والخارج أولئك الذين ناضلوا طويلا من اجل تحرير بلادهم ألا يخجلوا أو يسايروا في هذا الوقت العصيب، أن يخرجوا خطابهم الشجاع إلى العلن ووضع اجندتهم على الملأ، وهي أجندة تضع التحرير والتخلص من النظام القائم في المقام الأول، الذي لا تسبقه اولويات ولا تؤخره شعارات، ومنه ينطلق الجميع لبناء عراق حر. معضلة العراق في الثلاثين سنة الماضية أن التناحر بين فئاته السياسية المختلفة كان تناحرا حتى كسر العظم ولم يكن في الغالب لمكاسب تحقق للشعب عن طريق برامج تنموية، بل من اجل الوصول إلى السلطة والتشبث بها، وقد كانت معارك كسر العظم تلك تبدأ بالابعدين وتتناسل حتى اقرب الاقربين. في العمل السياسي القادم في العراق لا احد يمتلك الحقيقة المطلقة، الحقيقة السياسية النسبية يصل اليها العراقيون عن طريق النقاش الحر المقنع والمقنن، وما تسرب في الأيام الأخيرة، من مواقف كلامية لرفض هذا وقبول ذلك في أتون المعركة، ينم عن ظاهرة مرضية عانى منها الشعب العراقي بكل فئاته ومختلف طبقاته، حتى جاع وخاف وتشرد. ـ كاتب كويتي

طباعة Email