الثلاثاء 29 محرم 1424 هـ الموافق 1 ابريل 2003 قيل ان الشعبي مر يوما بإبل قد فشا فيها الجرب، فقال لاعرابي كان يحرسها: أما تداوي إبلك يا اخا العرب؟ فقال الاعرابي: ان لنا عجوزا مؤمنة نتكل على دعائها. فقال الشعبي: لو جعلت مع دعائها شيئاً من القطران كان ذلك ارجى. ان المنطق الاتكالي الذي اعتمد عليه صاحب الابل يضم تحت لوائه على مدى العصور قوافل لا تحصى من البسطاء والعاجزين الذين لم يعطوا انفسهم فرصة كافية لاكتشاف الفرق الهائل بين الاتكال والتوكل. وعبر التاريخ الانساني مضت قوافل ذوي العقول المستريحة تنظِّر عند كل نازلة وشدة للدور الخطير الذي سيؤديه الدعاء وحده نيابة عن الناس لينهي المحنة لصالح من طرقوا باب السماء عبر الدموع والدعاء دون القيام بأي أعمل!! لقد فات هؤلاء الواقفين على رجل واحدة ان الدعاء وحده دون العمل هو اختيار الانسحابيين الذين يقطعون الطريق امام الافكار الجادة، ويتطوعون لتقديم خدمات مجانية للعدو بسذاجة يحسدون عليها. فليس من العافية ان يكبر الورم، وليس من الفطنة والذكاء ان يلقي المرء بكل اسلحته، ويرفع يديه مستسلما لقدره منتظراً من الدعاء وحده ان يتولى المعركة من الالف الى الياء. ومما يصعّب على العقلاء الدور في ايقاظ مثل هؤلاء المغيبين عن ادراك سنن النصر والهزيمة، اصطدامهم بالذهنية الضيقة لهذه الفئة التي سوقت لموقفها المتفرج عبر المزج الخاطيء بين دعوة الاسلام لاتباعه للجوء الى الدعاء، وبين رغبتها الشديدة في الهروب من تحمل مسئولياتها الاخلاقية ازاء التصدي للفتن والازمات. ومن اوضح الصور الدالة على رواج المنطق الاتكالي لدى البعض ردود الفعل السلبية التي صاحبت الحرب على العراق، والتي اكدت مدى بساطة تفكير عقول اصحابها وضيق افقهم. فقد تطوع الكثيرون للحديث عن انتفاء اي فرصة للعمل، وسيادة منطق القوة الذي تبناه الغزاة وتفوقهم الكاسح عدداً وعدة الى ان وصل بهم الامر الى حد تقمص دور اهل بغداد عندما هجم عليهم المغول في يناير 1258م. ووجدوا اهلها في حالة من الهلع الذي افقدهم عقولهم، وقادهم الى اختيار الذبح على المواجهة والصمود، حتى ان السيف كان يسقط من يد الرجل بمجرد رؤيته للجندي المغولي بعد ان فعلت الدعاية النفسية فعلها فيهم وقادتهم الى اليأس والاستسلام للاعداء على هذا النحو الشائن. هذه النهاية التي آل اليها اهل العراق في القرن الثالث عشر الميلادي هي الدرجة المتقدمة من درجات الشعور بالاحباط والقهر وانعدام الحيلة. لكن ثمة مقدمات مهدت لهذه النتيجة البائسة وأفضت اليها منها القابلية للاستسلام لحسم المعركة مع الاصرار على قطع الطريق امام الافكار الداعية للعمل والحركة. والاتكال على الدعاء غير المقترن بالعمل لانهاء الموقف على الارض واعلاء راية المظلوم نوع من انواع التواكل. ولو ان الدعاء وحده ينهي المعارك لما كانت آية «واعدوا لهم ما استطعتم من قوة» هي الشعار الذي رفعه نبي الاسلام واصحابه من بعده لارجاع الحقوق الى اصحابها وكف يد العدوان. كما ان التعامل مع الازمات من خلال هذا الفكر الضيق هو مقدمة الى حدوث هزائم حقيقية تعم الجميع. وما لم يتخذ الواهنون من افكارهم موقفا نقدياً في فترة زمنية قصيرة، فان خطورة تسرب هذا الوهن الى من لديهم قابلية امتصاص مثل هذه الافكار الممهدة للهزيمة تبدو مسألة متوقعة، الشيء الذي يجب ان يحال دون حصوله مهما كان الثمن