الاثنين 28 محرم 1424 هـ الموافق 31 مارس 2003 لا فائض القوة أسعف الامبراطورية الديمقراطية الاميركية، ولا غريزة الاستعمار خبت في نفس العجوز، التي كانت لا تغرب الشمس عن مفاتنها المسروقة، لكن كلتاهما الامبراطورية والعجوز تتقاسمان اليوم معا نتائج المقامرة الحمقاء التي زجوا فيها انفسهم وجنودهم المحبطين جدا من هذا الشرق ومن هذا العراقي الصلب العنيد، فالعربي برغم كل ما يرزح تحته وما ينوء به من ميراث الظلم والقرون، وبرغم تخاذل بعض انظمته وتخلفها، الا انه لا ينسلخ من جلد الوطن، هذا الوطن الذي لا مساومة عليه، فحينما يكون الوطن موضوعا للانتهاك، يخرج العربي ماردا مدهشا وعنيدا حد انفجار الغضب في رؤوس الجنرالات في مبنى البنتاغون! اليوم لا يدهشنا العراق، فالعراق منبع الدهشة منذ كان، نحن الذين قرأنا عن ألواح الطين، وابجدية المسامير، وامجاد الملوك العظماء في اشور وبابل، وأكاد وسومر ونينوى، وعن منطلق جيوش الفتح التي كان يودعها الرشيد ليستقبلها المأمون، وعن انتصارات العراقيين على الغزاة في البصرة يوم غص الغرب بالشرق فجاء يغتصبه من بوابة عشتار بعد ان تقاسموه تركة صعبة وشوكة ظلت في الخاصرة الى حين خرجوا منه ملفوظين حتى آخر جندي فيهم! ليت هيئة المستشارين في البيت الابيض قد نصحت جوارج الادارة الاميركية والبنتاغون بضرورة مراجعة تاريخ العراق على امتداد سبعة الاف عام، وليتهم قدموا لهم مسحا بالمعارك الفواصل التي دارت على ارضه في ذي قار والقادسية، مع سجل كاف واف بأسماء آلاف الشهداء والقادة والفاتحين والابطال والانبياء الذين يعجنون ارض العراق، فيشمخ العراقي بهم، ويستمد العون والمدد، فلو انهم فعلوا ما جاؤوا، فمن يعرف خاتمة الموت لا يبدأ المشوار بهذه الرعونة ابدا! عراق يا تاج العلا في مفرق الشرق .. بارك الله صمودك، وقدّس دماء ابريائك وشهدائك الذين يرحلون شهداء متعجلين درب خلاص العراق من الأحذية الهمجية، عراق يا من ترفع هاماتنا كما رفعت فينا ذات يوم سجل العلم ورايات الفتح، عراق نحن فقط الذين نعرف سر صمودك: نفحة الايمان، وعشق الوطن، وحماية العرض والارض، نعرف سر صمودك ونفرح بما تحققه على كل شبر، نبكي ابرياءك الذين يموتون على الهواء مباشرة وسط حملة من الاكاذيب المستفزة العارية من الحقائق والتي لا يخجلون من اطلاقها صباح مساء!! لا يدهشنا العراق المدهش حد الفجيعة ووجع القلب، لا يدهشنا النجيع وصهيل ارواح الشهداء، لا يدهشنا المقاومون، ولا حتى الخائفون والمرتجفون والجائعون فهذه هي ارض السواد، ارض الثوار والثورة، ارض كربلاء ومأساة الحسين، ومحنة ابن حنبل، وارض ابتهاجات الفتوحات والانتصارات، الارض المنقوعة في الدم، والمتسربلة بالحضارة مذ كانت شرائع حمورابي: العين بالعين والسن بالسن والباديء اظلم! نصرخ فيك يا عراق أصمد، فأنت اليوم صدرنا ودرعنا ولك دعاؤنا، ألا ليتهم يعلمون تاريخ ميلادك ليتحسسوا اسنانهم اللبنية، هؤلاء الذين يدكون أسوار (امبراطورية أم قصر) منذ عشرة أيام بصواريخ الديمقراطية التي لا تقهر، فما بال أم قصر صامدة في وجههم؟ ألأن اسلحتهم متخلفة؟ بالتأكيد لا، لكن لأن الصامدين فيها عراقيون! العراق اليوم على كل شفة ولسان، كبيرا في ضمير العالم، بقدر ما صارت الامبراطوريات صغيرة في عيون شعوبها!