الاثنين 28 محرم 1424 هـ الموافق 31 مارس 2003 هي مسرحية كوميدية مصرية.. من أيام الابيض والاسود كان بطلها (سمير غانم) فقيرا من الأرياف هرب مع محبوبته لكي يتزوجها ، رغم معارضة الاسرتين. أسدل الليل ستوره عليهما فلم يجدا مأوى سوى دخول فندق كبير علهما يجدان مكانا ولو في زاوية المطبخ يسكنان اليه حتى الصباح. على طريقة سوء التفاهم المعروفة في الكوميديانات كان الفندق بانتظار تشريف زائر أفخم يحمل لقب الامارة ولكنه ينوي اتمام الزيارة متنكرا في أهاب رجل من عامة الشعب..وهكذا دارت الاحداث فالحلاق يسأل، على استحياء شديد عن أي ركن لقضاء الليلة.. يجيبونه أن الجناح الفاخر في الانتظار..يحاول أن يزيل اللبس وسوء الفهم فاذا بمدير الفندق الفصيح يردد أمامه عبارة واحدة هي يا افندم..زكريا بيقول. يبحث الحلاق الغلبان عن لقمة زهيدة الثمن يسد بها الرمق فيشير كبير السقاة الى مائدة رهيبة عامرة..وقبل أن يعترض الحلاق يردد المدير: - زكريا.. بيقول لا نعرف طيلة المسرحية من هو زكريا.. ما هي وظيفته، لا ندري عنه شيئا سوى أنه زكريا الذي يقول وبالتالي هو الذي يبالغ ويورط ويجلب المصائب. لا ندري لم تذكرنا زكريا هذا وهذا اللى بيقول حين وافتنا مؤخرا أنباء استقالة ريتشارد بيرل مسئول التخطيط السياسي في وزارة الدفاع الأميركية؟ على امتداد سنوات تقرب من العشر، ظللنا نتابع سيرة وكتابات واجتهادات السيد بيرل الذي يتصدر قائمة الصقور السوداء في دائرة صنع القرار بالبيت الأبيض. لا نستخدم وصف السواد من باب البلاغة اللفظية بل من قبيل تحصيل الحاصل: لقد بدأ ريتشارد بيرل حياته السياسية في ادارة الرئيس الاسبق ريغان ومنذ صعوده على أولى درجات السلم الوظيفي وهو يدعو الى الحرب والصراع واستخدام القوة الأميركية المسلحة وبالتالي الى سفك الدماء وازهاق الارواح..و.. لا يبالي الى حد أن أطلقوا عليه لقبا ظل يحمله الى يوم الاستقاله بالأمس القريب وهو أمير الظلام هذا اللقب ـ كما قد تذكر ـ يحيل الى أسطورة دراكولا.. مصاص الدماء الشهير في أساطير وسط أوروبا.. وفي اطار هذه المسميات الكئيبة، وفي غمار الحديث عن مثيولوجيا الصراع ومص الدماء في ليالي الشر والجريمة والغموض انتشر في البرية السياسية ذلك الشعار الذي سبق الى اطلاقه رونالد ريغان أو بالأدق أجروه على لسانه وصفا للاتحاد السوفييتي السابق بأنه امبراطورية الشر والظلام. المهم أن ريتشارد بيرل كان ولايزال ضمن المجموعة التي تعمد الى تزيين شن الحرب وتعبئة الجيوش واستخدام أحدث وأخبث منظومات السلاح ابتداء من القنابل الذكية الى القنابل التي مازال الحديث بشأنها محتدما حتى كتابة هذه السطور. هي الجماعة التي صورت حملة العراق على أنها نزهه حربية الطابع مضمونة الفوز مؤكدة العوائد، هي الزمرة التي ما برحت تستغل سذاجة رئيس البيت الأبيض وقلة تجربته في علاقات الدول ونقص خبرته بطبائع الأمم واصالة الشعوب - فكان أن أفهموه أن الجيوش متأهبة والترسانات مفعمة بأكداس سلاح انتجه صانعوه ومازالوا بانتظار تسديد الفواتير.. والعراق هو كنز على بابا النفطي.. والمسألة لا تحتاج لأكثر من ذرائع يتعللون بها وقرار بالحرب يصدر بليل، وبروباجاندا تشرع أسلحتها في تلبيس الحق بالباطل. في واشنطن يطلقون على عملية التلبيس هذه مصطلح سبن الأميركاني بمعنى نسبح الحكايات بمغزل التمويه الدعائي). كان ريتشارد بيرل من هذه الطغمة «العصبة» التي تضم وولفويتز نائب وزير الحرب وربما يأتي في مقدمتها تينيت مدير المخابرات المركزية، منطق هذه العصبة أقرب الى منطق زكريا في مسرحية سمير غانم القديمة.. ما أن تبدأ العصبة في حديث أحلام الانتصار على أرض الرافدين ومن ثم صورة جورج بوش في أهاب قيصر الزمان واسكندر العصر والأوان. فاتح البصرة والموصل وبغداد يستقبله أهلوها بالرياحين ويرشون على موكبه الظافر ماء الورد وحبات الملح التي يحسون بها عيون الحاسدين، ما أن يفعلوا ذلك حتى ينتشي بوش بخمر الأحلام فالمسألة أيام ان لم تكن ساعات وبعدها تقام له أقواس النصر وتعقد فوق جبينه أكاليل الغار وتجلب له براميل النفط منقادة من بلاد النهرين - وربما يأخذ لليهود بثأر عتيق عمره آلاف السنين حين ساقهم عاهل العراق القديم نبوخذ نصر في غلائل الاسر الذي استحقوه الى بلاد بابل. وهكذا كان يقول زكريا بالأميركاني هذه المرة لقد عملوا لرئيسهم البحر طحينة كما يقول المصريون: ما أن تحط قوات الاميركان ومعها توابعها البريطانية حتى يمد أهل العراق أيديهم حبا وتخفق أفئدتهم ان لم تلهج ألسنتهم عرفانا بجميل الأميركان وأتباعهم ـ أبطال..التحرير. المشكلة أن الأمر كان على خلاف ذلك على طول الخط وعلى وجه اليقين. وأيا كان تطور الاحداث فالذي حدث والذي سجله التاريخ أن مد أهلنا في العراق أيديهم كما يضغطوا على زناد النضال والمقاومة، خفقت قلوب أهل العراق على اختلاف المذاهب والملل بشعار الوطن في خطر.. فلندافع عن الوطن ولم يسمحوا للأميركي أن يقف أمام كاميرات الزيف ليرسم صورة المحرر بل ها هم صامدون لكي تكتمل صورة الأميركي القبيح وما كانت الشعوب قد أزاحتها من ذاكرتها على امتداد الأيام. ترى من يستطيع ان ينبه جورج دبليو بوش الى مسرحية مصرية قديمة ظل أبطالها يرددون حكاية زكريا بيقول وبعدها يزداد التوريط..وتنغرس الاقدام في مستنقع المأساة. زكريا الأميركاني هو عبارة عن معلومات تينيت في المخابرات وعنجهية وولفويتز في البنتاغون ومخططات ريتشارد بيرل حين كان في وزارة الدفاع..مأساتهم أنهم رتبوا وخططوا حسب املاءات الحواسيب الالكترونية دون أن يحسبوا حسابا لعنصر الفرد الانسان.. دع عنك أنهم يواجههم أرضا وشعبا كان أهلوه أول من علم الانسانية كيف تكتب الحرف وكيف تصنع الحضارة وكيف تنير أرجاء العالم بضياء التقدم والنمو والسلام. بالمناسبة..لم تأت استقالة ريتشارد بيرل احتجاجا على غزو العراق ولا حفاظا على بغدادعاصمة العرب وحاضرة الاسلام على مر التاريخ. لقد استقال صاحبنا وسط ذيول فضيحة اتهم فيها بالرشوة والتربح واستغلال النفوذ..وبهذا ابتعد ركن أساسي من عصبة زكريا الأميركاني. لكن أهم ما في حكاية زكريا المصري هو الصيحة التي رددها سمير غانم تعليقا على ما دار فقال: اقطع ذراعي أن الأخ زكريا.. حيوديكم في داهية ان شاء الله.