الاثنين 28 محرم 1424 هـ الموافق 31 مارس 2003 كشفت الحرب العدوانية على العراق، والتهميش الأميركي البريطاني لمجلس الأمن ولإرادة المجتمع الدولي المأزق الكبير، الذي وصلت إلى تخومه السياسات الدولية والتبدلات التي أعقبت تحولات العقد الأخير من القرن الماضي مع تفكك القطبية المتعددة وزيادة حدة الاستقطاب الأحادي، كما كشفت في الوقت ذاته الهوة المنتظرة بين مصالح الأقوياء في العالم، والشرق الأوسط على وجه الخصوص، فالإدارة الأمريكية اشتقت لنفسها خطاً تصاعدياً يقطع على التضاد مصالح باقي الأطراف الدولية بما في ذلك الطرف الأوربي، كما كشفت الحرب على العراق حال النظام الرسمي العربي، والخانة الضعيفة التي وضع نفسه فيها. وفي هذا السياق فان غزو العراق أظهر وبدد الانتقائية الفاقعة في المواقف الأميركية تجاه موضوعة أسلحة التدمير الشامل، ومسألة تعريف «الإرهاب» الذي بقى تحت سقف ما يقدمه التعريف ذاته من خدمة تصب في سياق المصالح المباشرة للاستراتيجية الكبرى للولايات المتحدة. إن الولايات المتحدة التي سعت لتشكيل ائتلاف دولي من أجل الحرب على العراق أعادت عملياً إنتاج مظاهر بدايات الحرب الباردة، ولعبة قضم الجزء الأكبر من كعكة المصالح كما كان حال زمان الامبراطورية التي لم تكن الشمس لتغيب عنها، وزيادة حدة الاستقطاب الدولي الأوحد بديلاً عن توازن السياسات الدولية. وبالضرورة فان ائتلافا كهذا سعت له واشنطن لم ولن يكون ائتلافاً متماسكاً بقدر ما هو إعادة جديدة لتفجير صراعات دموية تدفع ثمنها شعوب العالم الثالث، مترافقة مع حركات سياسية ذات محتوى وطني هدفها الدفاع عن التراب والمصالح الخاصة لكل من هذه البلدان، وهو ما نشهده الآن من توحد للشعب العراقي في مقاومته الغزو الأنكلو أميركي. إن تسارع وقائع الضربات الأنكلوأمريكية ضد العراق، لم يجلب سوى إغراق المنطقة بالمزيد من التعقيدات ودفع الأزمات نحو المجهول، وانسداد غير مرئي لأفق الحلول التي أرساها مجلس الأمن عبر القرار 1441، وعمل لجان التفتيش. في الجانب الأوروبي، فإن التحول في مواقف دول الاتحاد بشأن المسألة العراقية يتم في اللحظة السياسية الراهنة انطلاقاً من: ـ انحسار مساحة التقاطع وتضاؤلها في المواقف مع إدارة بوش في الحرب التي تخوضها واشنطن ضد ما تسميه «الدول المارقة» وصولاً إلى الحرب ضد «الإرهاب» حيث بان الخيط الأبيض من الأسود وأتضح بالملموس بأن اليافطة الأمريكية المعلنة لمحاربة «الإرهاب» تخفي وراءها مفهوماً أحادياً يقوم على إيمان واشنطن ومراكز القرار الأمريكي بمبدأ «القوة الفائقة» الذي يضمن الحد الأعلى من المصالح الاستراتيجية والكونية للولايات المتحدة، بما في ذلك العمل على ترويض الهيئة الدولية الأولى في العالم ووضعها تحت سقف الرؤية الأمريكية لمصائر قضايا وبؤر التوتر في العالم بأسره. ـ تحسس أوروبا للمخاطر التي تكمن وراء السياسة الأحادية في العالم، وطغيان القطب الواحد وما يشكله من ابتلاع للمجال الاقتصادي الحيوي لأوروبا عند جارها القريب في الشرق الأوسط وحوض المتوسط. إن أوروبا المغيبة عن الفعل السياسي المنتج في الشرق الأوسط تحاول الآن أن تجد لها موطئ قدم سياسي تغادر فيه موقع الممول المالي لعملية التسوية في المنطقة إلى موقع مسؤول ومقرر، فهي أي أوروبا ذات التاريخ الأوسع والأكثر امتداداً مع الشرق، لها من المصالح المباشرة مع العرب ما يفوق مصالحها مع أي طرف أخر، وتتساوى مصالحها مع مصالح الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، إلا أن ابتلاع واشنطن للفعل السياسي واحتواء كل القضايا التفاوضية تحت عباءتها وتقزيم حتى دور الأمم المتحدة يولّد تأثيراته على دول الاتحاد، ويولد صعوبة كبيرة أمام الخطوات السياسية التي قامت وتقوم بها الوفود الأوروبية التي تتكاثر طوال الفترة القريبة الماضية ذهاباً وإياباً إلى عواصم المنطقة، ناهيك عن غياب العامل العربي في التعاطي الجاد والمؤثر مع الحركة الأوروبية السياسية في الشرق الأوسط. إن التقاء المواقف وتقاطعها بين دول أوروبا الغربية والولايات المتحدة تجاه قضايا الشرق الأوسط وحتى العالم بأسره يصاحبها واقعياً على مديات زمنية تعارض في المصالح، لذلك من الطبيعي أن يتطور الدور الأوروبي بشكل عملي مع تطور الدور والموقف العربي، وإحلال سياسة ربط المصالح العربية ـ الاوروبية من جوانبها المختلفة، ووضعها على سلم الاولويات، والا فان الدور الاورروبي سيبقى اسير الحركة السياسية غير المنتجة. وفي هذا السياق، فان الدور الملحوظ الذي لعبته اوروبا بقيادة فرنسا، ألمانيا، بلجيكا.. في كسر التفرد الأميركي ووقف محاولات واشنطن جر العالم إلى أتون الدمار والحروب، إن هذا الدور المضيء في التاريخ المعاصر للبشرية يفتح الدروب واسعة أمام وقف بلدوزر الهيمنة الأمريكية و «عولمة الابتلاع»، وعلى طريق التفاعل والتناغم بين الحضارات والثقافات والعلوم والإنتاج البشري المثمر. ـ كاتب فلسطيني ـ دمشق