الاثنين 28 محرم 1424 هـ الموافق 31 مارس 2003 فانهض الى المسجد الأقصى بذي لجبٍ يوليك أقصى المنى، فالقدس مرتقب لعب الشاعر في العصور الاسلامية المختلفة دوراً نوعيا في خدمة قضايا الامة، وعبر في كل الاوقات عن مشاعر الناس وآلامهم. وأصبحت ابياته التي ينظمها الرسول الامين الذي يترجم ما يختلج في الصدور الى كلمات تتناقلها الافواه، وتطير في الانحاء والمدن لتحقق الوحدة الاجتماعية، والتضامن النفسي بين اجزاء ذلك الكيان العملاق الذي توزعت اعضاؤه من الصين شرقا الى المغرب العربي غربا، ومن الهند جنوبا الى اوروبا شمالاً. ولعل ما سهل وصول الرسائل الايجابية التي يتضمنها الشعر الاجتماعي والسياسي الى الناس الخصوصية التي تميز الشعر على غيره من وسائل التعبير الاخرى والتي تفتقر الى المزايا التي تتوفر له وتجعل منه اسرع وسيلة اتصال في الماضي. وكم من بليد سمع ابياتا ترفع من شأن العمل وتسخر من الخاملين فتحركت نفسه للعمل والنشاط. وكم من جاهل اصغى الى ابيات من الشعر تدعو الى العلم فانطلق يسابق الريح ليتعلم ويعوض ما فات. وكم من منصرف للهو واللعب قرعت اذناه اشعار في التوبة والندم فانتفض على نفسه وتصالح مع الدين بعد القطيعة والهجر. وقد كان للشعراء في كل الموضوعات الجادة دور ريادي جعل منهم بدون جدال رموزاً اجتماعية قادرة على التأثير وتحريك الناس في الاتجاه الصحيح. ومن اروع ما حفظت ذاكرة الادب من انجازات شعرية ساهمت في توحيد الامة تجاه قضاياها الكبرى تلك الاشعار التي نظمت في القدس، ودعت الى تحريره من الاسر الذي حدث في الثالث والعشرين من شعبان 492/الخامس عشر من يونيو 1099. لقد دفع سكان المدينة الاسيرة ثمناً باهظاً من اجل تحويل مزاعم من ندبوا انفسهم حماة لبيت المقدس الى حقيقة ملموسة. وبلغ عدد من قتلوا من سكان المدينة 70 ألفاً ما بين مسلم ونصراني ويهودي دون ذنب اقترفوه إلا انهم سكان المدينة الشرعيون ورعايا الدولة المسلمة «وما اشبه الليلة بالبارحة». لم يكن الشاعر المسلم بعيداً عن هذه الاحداث الجسام بل كان في قلبها يرصدها ويعبر عنها بصوت الملايين من المسلمين الذين بلغ بهم الغضب كل مبلغ، ورأوا في سقوط بيت المقدس كارثة مروعة لم يشهدها العالم الاسلامي من قبل. ومما حفظ لنا من اشعار تلك المرحلة التي نستعيد اليوم ذكرياتها بالصوت والصورة الحية ونراها تتكرر من جديد ولكن بصورة اكثر وحشية وأكثر امتهاناً لكرامة الانسان، قول الشاعر: اعيني لا ترقى من العبرات صلي في البكا الآصال بالبكرات على المسجد الاقصى الذي جل قدره على موطن الاخبات والصلوات ثم يشدد الشاعر على انه ليس ثمة خيار امام من وقع اقصاهم في الاسر إلا ان ينشغلوا به، ويحزنوا لما اصابه، فيدعوهم للتضامن النفسي مع الحدث الجسيم قائلا: لتبك على القدس البلاد بأسرها وتعلن بالاحزان والترحات حتى اذا ما انجزت التعبئة المعنوية مهماتها، وأوصلت المسلمين الى الهدف المقصود، وجمعتهم تحت راية واحدة، استلم الشاعر من جديد مهمته الريادية في شحذ معنويات الناس وبعث مشاعر التضامن فيهم، ومضى يسابق الريح ليفوز بتغطية اعلامية حية ينقلها لمن فاتهم شرف الاشتراك في حطين مسجلاً سبقاً اعلاميا لا يقل اثراً عن السبق الذي يفوز به مراسلو وكالات الانباء في العالم اولئك الذين يحتشدون في المعارك والحروب في وقتنا الحاضر لينقلوا بالصوت والصورة ما يجري على ساحة الحرب امام مرآى العالم اجمع، ولقد نجح الشاعر المشارك في حطين في القرن الخامس الهجري في تأدية الدور الذي يقوم به الصحفيون في وقتنا الحاضر، بل والتفوق عليهم من خلال اللغة الشعرية الراقية التي استخدمها الشاعر لنقل ما يجري من ارض حطين الى كل بيت مسلم مؤديا بذلك ضريبة انتمائه لهذه الامة بأمانة يحسد عليها. ومن تلك الابيات التي خلدت معركة النصر والتحرير قول الشاعر: هذا الذي كانت الآمال تنتظر فليوف لله اقوام بما نذروا وقول شاعر آخر: لم يخل سمع من هناء مهنيء للمسلمين ومن سماع مبشر وعلى امتداد تاريخنا الاسلامي كان الشاعر والاديب والخطيب والكاتب والمؤرخ هم الرسل الصادقون والسفراء المؤتمنون الذين عايشوا الاحداث الكبرى التي مرت بهذه الامة، واثبتوا جدارة فائقة في التضامن مع مبادئهم العليا والتصالح مع ضمائرهم. وكانت هذه الفئة بالتحديد تعلم خطورة الكلمة المنظومة والمنثورة وتعي أن التفريط بأمانة الكلمة تفريط بواقع الامة ومستقبلها. ولعل هذا العمق في فهم الادوار الحضارية للكلمة الجادة هو اكثر ما نفتقد اليه اليوم في زمن فقد اهله ثقتهم بالكلمة وهجروها منذ زمن بعيد!! مريم عبدالله النعيمي