الاحد 27 محرم 1424 هـ الموافق 30 مارس 2003 بلاشك فإن جثامين الجنود البريطانيين الملفوفة بالعلم البريطاني وهي تنزل من الطائرة العسكرية ضمن أول دفعة للقتلى البريطانيين في العراق لن يمر مرور الكرام، على الشعب البريطاني، وتحديداً على أسر هؤلاء القتلى الذين يعلمون تماماً بأن أبناءهم ذهبوا الى العراق انصياعاً لأوامر عسكرية وليس دفاعاً عن حق أو انتماء لقضية، فليس بين الشعب العراقي وبين هؤلاء الجنود مشكلة أو قضية ثأر أو انتقام ليتبادلوا القتل المتلفز بينهما، غير انها مصالح السياسة الضيقة وهستيريا الحرب المسيطرة. وكما لن تعبر توابيت أولئك الجنود مسارات الذاكرة الأوروبية بسلام، فإن ضحايا القاذفات والصواريخ الذين توزعوا في كل المدن العراقية لن يذهبوا هباء، فهؤلاء لم يجاهروا أحداً بالارهاب، ولم يصطفوا إلى جانب الطاغوت، ولم يفوضوا أحداً بقتلهم قرباناً للحرية والخلاص والديمقراطية، انه شعب أخذت منه الأيام قضاءها، وحاصرته الحروب العبثية عقوداً، وأكمل على بقيته الباقية حصار جائر أوصله الى حافة الانهيار! ومع ذلك فإن هذا الشعب لا يستحق منا سوى الفخر وتحيات الصمود، فقداسة دم ابريائه تلقي على العالم أجمع مهمة عظمى تتلخص في المسارعة إلى انقاذهم من أتون حرب عبثية، مجنونة، وغير شرعية باعتراف العالم كله، وعلى رأسهم أمين المنظمة العالمية السيد كوفي عنان! فهل يضيء الأفق أملاً بالخلاص لهؤلاء الأبرياء يوقف ماكينة الموت المجنونة المتشظية بالتهام الأرواح وسفك الدماء في كل مكان؟ لقد كتبت سيدة من أولئك الملايين الرافضين حرب النفط والمصالح الضيقة تخاطب رئيس الولايات المتحدة قائلة: «أرجو أن تجيبني يا سيد بوش: كيف تستطيع النوم ليلاً بعد أن تشاهد مذابح الحرب وضحاياها؟ أريد أن أعرف لأجد لك عذراً في إعلانك لهذه الحرب وحماسك اللامحدود لها؟!». سنتبرع للسيدة بالإجابة بعد أن ذكرت بعض التقارير بأن الشعب الأميركي لا تصله مشاهد المذابح وضحايا الغارات، خوفاً على مشاعره الرقيقة! وخوفاً من ردة فعله الغاضبة! أما الرئيس فهو جزء من الشعب الأميركي لا يفضل أن ينهي يومه بمشاهدة فيلم رعب من انتاج هوليوود حسب وصية والدته السيدة باربرا! وبما أن الولد سر أبيه، فإن بوش الصغير فخور بأنه أضاف الى أمجاد سيره على خطى أبيه مجداً آخر بخلاف كونه رئيساً للولايات المتحدة كوالده، ذلك انه إذا غادر الرئاسة فإنه سيكون قد وضع في رصيده اعلاناً بالحرب على العراق لأنه بلد يهدد جيرانه كما يهدد أمن الولايات المتحدة والأمن العالمي.. تماماً كما فعل والده عام 1991، ومن شابه أباه فما ظلم! إن بوش وبلير مقتنعان بأن نظام صدام يستحق أن يعاقب لأنه انتهك وتجاهل 17 قراراً من قرارات الأمم المتحدة، حسب مصادر المنظمة، لكن السؤال الأخلاقي الذي يتوجب طرحه هنا هو ذاته الذي طرحه وزير خارجية بريطانيا جاك سترو وأثار (اشمئزاز) اسرائيل وهو: لماذا لا تعاقب (اسرائيل) ايضاً لذات السبب وهو انتهاكها لما مجموعه 64 قراراً من قرارات الأمم المتحدة؟ إذن ففي هذه الحالة وبما أن العراق يقصف الآن بسبب امتلاكه أسلحة بيولوجية محرمة دولياً ـ حسب المقولات الأميركية ـ وبسبب انتهاكه قرارات الأمم المتحدة، ولأنه نظام ارهابي يقتل الأبرياء، فإن علينا أن ننتظر من السيد بوش أن يأمر بقصف (اسرائيل) لأن الاختراقات جميعها تنطبق عليها، دون أن نكون بسؤالنا هذا نخلط الأوراق حسب الاتهام الأميركي دائماً! السؤال الآخر يتعلق بما تم الترويج له قبل الحرب عن حرب نظيفة بدون ضحايا من الابرياء العراقيين، يا ترى إلى أي درجة مقتنع السيد بوش بأنها حرب نظيفة فعلاً؟ أم ان هؤلاء الضحايا هم قرابين الحرية كما قال تومي فرانكس في بدايات القصف على بغداد؟ سؤال طرحه أحد الكتاب الأجانب: لو ان العراق ينتج الفجل بدل النفط، هل كان خطر على بال السيد بوش اجتياحه فعلاً؟!