الاحد 27 محرم 1424 هـ الموافق 30 مارس 2003 والدي العزيز... كم يؤلمني إطراقك هذا وأنا بانتظار تفسير منك لما يحدث لنا هذه الأيام! فأي مصيبة حلّت بنا لتجعل من الإجابة عصيّة إلى هذه الدرجة؟! ومن ذا الذي يجيبني إذا استعصت الإجابة عليك أنت وغرقت في كل هذه الحيرة التي طالما أخرجتني منها؟! هَبْ أننا نعيش زمناً رديئاً إلى هذه الدرجة.. هَبْ انه أسوأ الأزمان على الإطلاق.. أفلا يجدر بنا أن نسأل أنفسنا عمّا أوصلنا إلى هذه الحال؟ أولم نشعر يوماً أننا نسير إليها بأقدامنا؟ أولم نعلم أن من يزرع الشوك لا يجني العنب؟ وإننا لن نحصد من الريح سوى العاصفة؟ أولم ندرك أننا لم نزرع على مدى السنوات التي أوصلتنا إلى هذه الحال سوى الحقد والفتن والضغائن والدم؟ أولم نتوقع ساعة محاسبة وندم كهذه؟! وطالما أن الإجابة صعبة إلى هذه الدرجة.. أفما كان الأجدر بنا أن نعدّ أنفسنا لموقف كهذا؟ أولم تكن تجارب الأمم والشعوب ماثلة أمامنا فنعتبر منها؟ أولم تكن تجاربنا نحن التي جرت فيها أنهار الدم كفيلة بتعليمنا؟! هل تذكر يا والدي كم من النماذج العظيمة سقتم لنا وطلبتم منا التأسي بها؟ ألم تطلبوا منا أن نكرس كثيراً من وقتنا لقراءة سير الخالدين من أبطال التاريخ الاسلامي؟ ألم تقولوا لنا انهم النماذج التي يجب أن نقتدي بها ونسير على خطاها؟ ويومها.. صدقنا نحن الصغار كلامكم أنتم الكبار.. واعتقدنا أنكم قد أخذتم منهم لتنقلوا لنا.. فلماذا تصدموننا اليوم بهذه المواقف المناقضة لما حاولتم أن تغرسوا فينا؟! هل تذكر يا والدي تلك المرحلة المتوهجة من تاريخنا الحديث.. يوم أن هبت الشعوب في كل بقعة من وطننا العربي لطرد المحتل؟ هل تذكر تلك الروح النضالية المتأججة التي جمعت شعوب الأمة العربية من مغرب الوطن إلى مشرقه؟ يومها كان الحلم جميلاً.. وكان الأمل كبيراً.. فكيف تحطمت تلك الآمال؟ وكيف تبخرت كل تلك الأحلام؟ وأي ريح شيطانية تلك التي عصفت بالصورة الجميلة التي كنّا نرسم ملامحها فأطاحت بها في وقت نحن أحوج ما نكون فيه إليها؟ ألستم أنتم من طلب منا أن نرفع رؤوسنا مبشرين بعهد جديد لا مكان فيه للاستعباد فصدقناكم ورفعناها عالياً.. أعلى مما يجب كما بدا لنا بعد ذلك.. حتى لم نعد نتبين مواقع أقدامنا.. فماذا كانت النتيجة؟ لقد وجدنا أنفسنا ذات ليل حزين حالك السواد نهوي إلى هوة سحيقة أعادتنا سنوات الى الوراء.. إلى أبعد من نقطة الصفر التي بدأنا منها! ألستم أنتم من عجز بعد ذلك عن تقديم تفسير مقنع لما حدث؟ كيف تحطمت تلك الآمال؟.. كيف تبخّرت تلك الأحلام؟.. كيف هوى ذاك البناء الذي انتظرنا إشادته طويلاً؟.. وكيف تهاوت كل قلاع المجد الذي حلمنا به ذات يوم ونحن نردد أنشودة «الوطن الأكبر» الذي تضاءل وانكفأ على نفسه لنعيش «النكسة» بكل توابعها؟ ألستم أنتم من سرق بعد ذلك فرحتنا بنصر لم نحقق مثله منذ عقود طويلة ـ حتى لو كان منقوصاً ـ لتدخلونا نفقاً مظلماً من الاتفاقيات والمعاهدات التي شقّت صفنا وأعادتنا لزمن القطيعة والمهاترات والمؤامرات وهدير المايكروفونات التي لم توفر أحداً من الخيانة والجبن وبيع الأوطان؟ ألستم أنتم من نصر بعد ذلك أخاه ظالماً فلم يرده عن ظلمه ويرشده الى طريق الصواب؟ ألم تمض فئة منكم معه حتى آخر الشوط لتشق صفوف الأمة وتحفر اخدوداً لم نستطع ردمه حتى الآن؟ فكيف اختلطت عليكم الألوان ورأى بعضكم الأسود أبيض فمضى يغرس بذرة الحقد والشقاق في النفوس بعد أن أعماه الطمع عن رؤية الحقيقة؟! ألستم أنتم من مضى بعد ذلك مكابراً ولم يحاول رأب الصدع ليزيد الهوة اتساعاً ويكرّس الخلاف ويفتح الملفات القديمة والجديدة ويصبّ مزيداً من الزيت على النار التي أكلت كل الأطراف واقتربت من القلب الواهن الموشك على التلف؟! ألستم أنتم من أدخل قضية أمتنا الكبرى بعدها نفق «أوسلو» وألقى السلاح وتنازل عن تاريخه ونضاله ليرضى بالفتات ويقبل بنصيب الأيتام على مائدة اللئام.. وليته حصل عليه؟ ألستم أنتم من تاجر بعد ذلك بثورة أطفال الحجارة وحاول ان يقطف ثمارها فأدخل القضية فصولاً أخرى ورسم لها مسارات جديدة وضيّعها بين تقارير «تينيت» وخرائط طرق «بوش» لتنتهي إلى ما انتهت إليه من ضياع وضبابية ودهاليز مظلمة لا نعرف إلى أين ستقودنا وتقود الأمة معها؟! وأخيراً... عندما اقتربت الكارثة الكبرى ودقّت كل نواقيس الخطر الداهم.. ماذا فعلتم لإيقاف الزحف المجنون الذي سيقضي على البقية الباقية منّا؟ لقد اجتمعتم كالعادة وتلاسنتم وأخرجتم من قاموس الشتائم ما كنا نربأ بكم عنه، لتقدموا لنا واحدة من أكبر المهازل في وقت كنا أحوج ما نكون فيه إلى الحكمة والعقل وإدراك حجم المأساة التي نعيشها، وحجم الخطر الداهم والضربة القاضية التي تنتظرنا. واليوم... وقد حمّ القضاء وأصبحنا على عتبة مرحلة استعمار جديد لا يعلم إلاّ الله متى يرحل عنا.. ألا تشعرون بتأنيب الضمير والخجل من الحالة التي تردينا إليها.. وماذا أنتم فاعلون؟! وبعد هذا كله... هل تلوموننا لأننا نرى فيكم جيلاً أضاع قضايانا الكبرى وفوّت كل الفرص التي لاحت ليعيد لهذه الأمة عنفوانها ومجدها وكرامتها؟ وهل نحن مخطئون إذا حمّلناكم ما وصلنا إليه من هوان؟! وهل مطلوب منّا أن ندفع ضريبة أخطاء قيادات لم تعرف كيف تقود شعوباً كانت تتطلع للحرية وتبني آمالاً جاء ليجرفها الطوفان؟! وختاماً... عذراً يا والدي إن كنت قد قسوت عليكم.. فأنتم من علّمنا أن القسوة مطلوبة أحياناً لتقويم المعوج.. وقد وصل بنا الحال من الإعوجاج إلى الدرجة التي انحنت فيها ظهورنا وهاماتنا حتى لامست الأرض.. فهل من أمل يلوح لرفع رؤوسنا من جديد واستعادة كرامتنا؟ وأي جيل ذاك الذي سيتحقق هذا على يده بالله عليكم؟! وسلاماً في زمن أصبحنا نفتقد فيه السلام. ابنك المحبط