الاحد 27 محرم 1424 هـ الموافق 30 مارس 2003 معركة بغداد ـ كمعركة ستالينغراد في نهاية الحرب العالمية الثانية ـ سوف تكون المعركة الفاصلة التي سوف تقرر المصير النهائي للحرب الاميركية ـ البريطانية في العراق. لكن، فضلاً عن وقوع المعركة ذاتها وتوالي فصولها الدامية، كيف الوصول ابتداء الى بغداد؟ هذا هو السؤال الاكبر الذي يمثل الهاجس المرحلي الاعظم لمخططي الحرب في واشنطن والقوات المقاتلة المنتشرة في الجنوب العراقي. من موقع ما شمالي مدينة الناصرية يروي مراسل رويترز الحادثة التالية كشاهد عيان: على نحو فجائي تماماً شنت مجموعة صغيرة من المقاتلين العراقيين، باستخدام تكتيكات حرب العصابات، هجوماً على قافلة اميركية تتألف من نحو 80 عربة تدعم الوحدات القتالية لقوات «المارينز». اطلاق النار جاء من بين أشجار على جانب طريق القافلة. اندفع جنود المارينز مذعورين للبحث عن ساتر وراء العربات. الرقيب جون جريمس الذي هرع الى شاحنة دون اطلاق رصاصة واحدة على المهاجمين المختبئين، قال لمراسل رويترز فيما بعد: «لم نتمكن من رؤية الذين كانوا يطلقون الرصاص علينا». وقال «كانت الطلقات قريبة جداً منا». ما مغزى هذه الحادثة؟ المغزى يكمن في حمولة هذه الشاحنات الثمانين. فقد كانت تحمل الامدادات الحيوية التي تحتاجها القوات المقاتلة الاميركية من اجل البقاء على قيد القتال: الاطعمة والمياه ووقود الدبابات والمروحيات وقطع الغيار.. والادوية الاساسية.. هو الهجوم الاول من نوعه وقد وقع في اليوم الثامن للحرب. ويقول المراسل ان الهجوم يظهر ان مجموعة عراقية ربما تتألف من عشرة رجال مسلحين ببنادق يمكنهم ان يعطلوا قافلة امدادات تدعم دبابات ومروحيات وناقلات جند مدرعة. كيف اذن تتقدم القوات الغازية الى بغداد بسهولة.. وحتى اذا وصلت الى مشارف بغداد كيف تبقى على حالة جاهزية قتالية بينما خطوط الامداد التي تعتمد عليها حسابات الحياة أو الموت تبقى معرضة لهجوم بأسلوب حرب العصابات المباغت في أي موقع على الطريق وفي أي زمان؟ هكذا يكتشف دونالد رامسفيلد ومخططو الحرب في وزارة الدفاع الاميركية الخطأ الاساسي في خطة الغزو، برسم الخطة على سوء تقدير للمقاومة العراقية التي اثبتت وجودها الميداني الخطير ولما يمضى على الغزو بضعة ايام. قالت صحيفة «واشنطن بوست» في تحليل عن «صعوبات» الحرب ان المسئولين في وزارة الدفاع الاميركية «ذهلوا من قدرة العراقيين على تكييف تكتيكهم ومن تصميمهم على القتال.. وهما جانبان قد يكون البنتاغون اخطأ في تقديرهما». الآن تفيد الأنباء بأن رامسفيلد ورجاله يعيدون النظر في كيفية ادارة الحرب على اساس فرضية انه لن تكون هناك مقاومة عراقية تذكر، بل ان الجماهير العراقية سوف تستقبل القوات الغازية بترحاب وتأييد، كأن المدى الزمني المقدر للحرب «والانتصار الاميركي» لا يتعدى اياماً معدودات. لكن الآن، ومع الاداء الميداني المذهل للمقاومة العراقية اختلف الامر تماماً. «واشنطن بوست» مرة اخرى تقول: «ان خطوط الامداد الطويلة والمعرضة للقصف ومواجهة مقاومة اكبر مما كان متوقعا، اجبرت الجنرالات الاميركيين على اعادة النظر في تقديراتهم والبرنامج الزمني للحرب». ان ادارة بوش تتحاشى تماماً التطرق الى «اعادة النظر» في خطة الحرب، وتفسير هذا هو، أولاً، تفادي الاقرار الضمني او العلني امام الشعب الاميركي بأن الادارة ارتكبت خطأ جسيماً، وثانياً، تفادي الاقرار ببسالة وقوة المقاومة العراقية، لكن الحقائق تظهر للعيان على شاشات التلفزيون فيرتفع بالتالي صوت التساؤل داخل الولايات المتحدة، وعندما سئل الرئيس بوش في مؤتمر صحفي يوم الخميس الماضي عن المدى الزمني للحرب اعطى اجابة مضطربة.. فقد قال: فلتأخذ الحرب ما تأخذ من الزمن.. المهم ان تتحقق الاهداف من وراء الحرب. وفي هذا السياق نقلت الصحف الاميركية عن مسئولين اميركيين كبار في مجال الدفاع «لم تذكر اسماءهم» ان الحرب قد تستمر اشهراً مما يتطلب ارسال تعزيزات عسكرية. لكن التطور الاهم من هذا هو ان معظم القادة العسكريين الاميركيين يرون الآن تجميد خطة الاندفاع نحو بغداد، فالأولوية المرحلية في نظرهم هي ضمان أمن خطوط الامداد مع توسع واشتداد المقاومة العراقية. وفي كل مدينة وقرية.. بل وخلف اي تل رملي أو وراء اية مجموعة من الاشجار، ينبغي ان تتوقع القوات الاميركية مباغتات هجومية عليها أو على قوافل الامداد. ثم ان هناك مفاجأة اخرى في انتظار القوات الغازية: حلول فصل الحر خلال بضعة اسابيع حيث تبلغ درجة الحرارة 40 مئوية متصاعدة الى مستوى 50. والسؤال الذي ينبغي ان نتطلع لمعرفة الاجابة عنه في الايام او الاسابيع المقبلة هو: هل يبقى الوصول الى بغداد مجرد حلم يؤرق نوم دونالد رامسفيلد؟