الاحد 27 محرم 1424 هـ الموافق 30 مارس 2003 كان لافتا مشهد مغادرة القوات الأميركية مع معداتها القواعد التركية ومن ثم ميناء اسكندرون على بحر المتوسط بعد أسابيع من الانتظار هناك في إطار الخطة الأميركية ، بفتح جبهة الشمال في الحرب الأميركية على العراق، وقد أضاف إلى هذا المشهد اللافت أسئلة كثيرة حول مستقبل العلاقات الاميركية ـ التركية اختيار رئيس هيئة أركان الجيوش التركية الجنرال حلمي أوزكوك مدينة سيلوبي الحدودية مع العراق مكانا للتعبير عن توجهات أنقرة في هذه الحرب وليرد بشكل مباشر على التحذيرات الأميركية بعدم اجتياح شمال العراق وليؤكد بشكل غير مباشر ما أكده وزير الخارجية عبد الله غول من ان (تركيا لن تستأذن أحداً عند مصالحها...... تركيا دولة ذات سيادة ولا أحد يأمرها ان تفعل هذا ولا تفعل ذاك)، امام هذا الواقع، لعل السؤال الذي يطرح نفسه هو هل ستجتاح تركيا شمال العراق حتى لو أدى هذا الاجتياح إلى مواجهة مع واشنطن بما تدخل (المواجهة) العلاقات التركية ـ الأميركية في منعطف عكسي بعد نصف قرن من العلاقات الاستراتيجية المتينة بينهما؟ في الواقع، لا يمكن الإجابة عن هذا السؤال بـ (نعم أو لا) فالحرب ومن خلال وقائع أيامها الأولى تبدو انها ستكون طويلة وصعبة، خاصة بعد التأخير في فتح جبهة الشمال بسبب حرب الأعصاب والمفاوضات التي جرت بين واشنطن وأنقرة والتي يبدو انها مازالت مستمرة، لقد اكتشفت واشنطن وبعد سلسلة من المباحثات العسكرية والسياسية الشاقة مع أنقرة ان الأخيرة ورغم أزمتها الاقتصادية الخانقة ان حججها المالية والدستورية هي أسباب غير جوهرية في رفض نشر القوات الأميركية على الأراضي التركية و انها مازالت ترى في شمال العراق منطقة أمنية تخص أمنها الداخلي وربما مطامعها النفطية والاقتصادية والسياسية في هذه المنطقة انطلاقا من عوامل (تاريخية) غير معلنة، بينما اكتشفت الأخيرة ان واشنطن غير نهائية في وعودها بشأن عدم إقامة كيان كردي في كردستان العراق وان هذه المسألة قابلة للطرح بعد ان تتحول الحرب إلى رماد، سواء بطلب من الأكراد أو حتى دون هذا الطلب. وعلى خط مواز من الرفض الأميركي لدخول الجيش التركي شمال العراق، دخل الاتحاد الأوروبي ولا سيما فرنسا وألمانيا وبلجيكا على خط مناشدة تركيا في عدم اجتياح شمال العراق والتحذير من ان ذلك سيؤثر على خيارها الأوروبي، وعلى الرغم من الالتقاء الأوروبي والأميركي عند هذه النقطة الا ان كل طرف يختلف عن الآخر في أهدافه من مناشدة تركيا وتحذيرها من اجتياح شمال العراق، فواشنطن لا تريد ان يشاركها أحد في (نصرها المنتظر) وفي خططها ومخططاتها لمستقبل العراق والمنطقة، والاتحاد الأوروبي (وتحديدا الدول الأوروبية المناهضة للحرب) لا يريد ان تكون تركيا أداة بيد الإدارة الأميركية، بل ربما على العكس تماما في ان تقوم بعرقلة مخططات واشنطن الحربية، لان الاتحاد الأوروبي ولا سيما الدول التي وصفها وزير الدفاع الأميركي دونالد رامسفيلد بأوروبا القديمة ترى ان أحد أهداف الاستراتيجية لهذه الحرب هو مصادرة مستقبل الاتحاد الأوروبي نفسه، بعد ان أصبح هذا الاتحاد بأبعاده الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والتنظيمية تحديا كبيرا لمخططات واشنطن في السيطرة على العالم. السؤال الذي يطرح نفسه أيضا، هو هل سيؤثر عدم فتح جبهة الشمال عبر تركيا على الخطط الحربية الأميركية؟ في الواقع، مع ان سير المعارك في جنوب العراق والخسائر التي منيت بها القوات الأميركية والبريطانية بفضل المقاومة الشعبية الرائعة هناك تؤكد ذلك الا ان واشنطن تحاول القول ان لديها خططاً حربية بديلة، وان عدم موافقة أنقرة على فتح جبهة الشمال من أراضيها لن يمنع من فتح هذه الجبهة انطلاقا من المناطق التي تسيطر عليها الحركة الكردية، ولعل السؤال الذي يطرح نفسه هنا، هو إلى أين اتجهت القوات الأميركية التي غادرت الأراضي والمياه التركية؟ وقد أعلن ميد أوزمان قائد التنسيق العسكري الأميركي هناك عن تشكيل جبهة الشمال واستعداد هذه الجبهة للانخراط في هذه الحرب في وقت يرى فيه المراقبون ان فتح هذه الجبهة ستؤثر كثيرا على معنويات المقاومة العراقية لصالح المخططات الحربية الأميركية. مع بدء جبهة الشمال انطلاقا من الأراضي العراقية وليست التركية يرى المحللون ان أنقرة خسرت (المعركة) مع واشنطن بضربات الجزاء، وانها وضعت امام أمرين أحلاهما أمر، فإما ان تسبق القوات التركية القوات الأميركية والكردية إلى كركوك، وهذا يعني إعاقة الخطط الحربية الأميركية، وواشنطن لن تسمح بذلك مهما كانت نتائج هذه المواجهة على العلاقات الاميركية ـ التركية، وإما ان تقبل أنقرة بما سينتجه رماد هذه الحرب من وضع سياسي جديد للأكراد في العراق وبما يلهم هذا الوضع الجديد طموحات الأكراد في تركيا نفسها، وفي الحالتين فان تركيا ستجد نفسها امام دوائر مغلقة وأخرى مفتوحة على البنيان السياسي والاجتماعي والأمني للدولة التركية، والمسألة المهمة في هذه الحرب العدوانية على العراق بالنسبة إلى أنقرة وواشنطن معا هي ان العلاقات بينهما بعد هذه الحرب لن تبقى على حالها بل ستشهد المزيد من العناصر الأمنية الجديدة بالنسبة لأنقرة، طالما ان الحرب بالنسبة لواشنطن هي مخطط استراتيجي مفتوح، هدفها الهيمنة والسيطرة على العراق والمنطقة وصولا إلى الإمبراطورية التي يخطط لها اليمين المتطرف القابع في البيت الأبيض. ـ كاتب سوري