الاحد 27 محرم 1424 هـ الموافق 30 مارس 2003 بعد اجتماع القمة العربية الأخيرة خرج مسئول عربي كبير ليعرب عن امتنانه الشديد للغة العربية التي تتيح إرضاء كل الأطراف بقرارات تحتمل كل التفسيرات! وكان الرجل يعلق على القرار الخاص بالتزام الدول العربية بعدم المشاركة في العدوان على العراق .. وهو القرار الذي نرى الآن ما آل إليه في ضوء الأحداث! ومع بدء العدوان على العراق تم الاستنجاد كالعادة باللغة العربية وبغض النظر عن عدد صغير من الدول التزم بالاسم الذي أطلقته القيادة الاميركية على العدوان وهو عملية تحرير العراق فإن الاجتهادات لم تنقطع في التعامل العربي مع الأحداث! البعض وجد عند محطة سي.إن.إن الاميركية التليفزيونية الحل عندما وصفت ما يحدث بأنه الحرب في العراق والبعض طور التعبير فجعله الحراب العراقية وكأننا في الحالتين أمام حرب أهلية يتقاتل فيها العراقيون أنفسهم وهو ما كانت الولايات المتحدة تسعى إلى الإيحاء به بحشد بضع عشرات ممن أسمتهم المعارضة العراقية باعتبارها جيش التحرير الذي سيدخل العراق بمساعدة ـ مجرد مساعدة!- أمريكية فتهب الملايين من أبناء الشعب العراقي لإستقبالهم بالورود والرياحين وهو التصور المريض الذي انكسر على صخرة الصمود المذهل للشعب العراقي . ومع هذا الصمود العظيم ومع اشتعال الشارع العربي بالغضب بدأت عمليات مراجعة لغوية إنتهت عند البعض بالثبات على المبدأ أو غير المبدأ وإنتهت عند البعض إلى إختراع وصف الحرب ضد العراق لوصف ما يجري هناك .وهو تعبير يفي بالغرض عند أصحابه فهو يشير إلى أن هناك حربا تشن ضد العراق دون التورط في التصريح بمن يقوم بهذه الحرب ودون إدانه هذا الشبح الخفي الذي يقصف بغداد ويقتل أطفالها ونساءها ويشيع الدمار في أرجائها! وهكذا أدانت الشاشة الصغيرة بالشعار الجديد وانطلقت البيانات الرسمية في بعض العواصم العربية تدين الحرب ضد العراق والتي تعرف الجماهير إنها حرب اميركا وبريطانيا بينما يكتفي المسئولون بإدانة الشبح الخفي دون التورط مع القوة الأعظم وحلفائها! لكن المشكلة كانت في الشبح الخفي نفسه الذي يقوم بالجريمة دون إحساس بالخجل، ويفعل ما يفعله كل إستعمار قديم أو حديث حين يعلن أنه جاء لـ تحرير العراق وإنقاذ شعبه من الجوع والموت ليبدأ بعد انتهاء العملية في افتتاح مدرسة الديمقراطية لتعليم من تبقى من الشعب العراقي بعد المجزرة ثم ينطلق في المهمة الأكبر لتعميم التجربة في الوطن العربي كله! الشبح الخفي وهو يبدأ العدوان متصورا أن المهمة ستنتهي في أيام وأن العراقيين سيستقبلون الغزاة بالورود كان يتباهي بأن العملية عمليته وحده وكان ـ ومازال ـ يناضل من أجل إستبعاد الآخرين لكي يحصل على الكعكة العراقية وحده ويستولى على البترول وينفرد بالسيطرة ويصنع العراق الجديد كما يريد أو كما يتوهم! وهكذا وضع الطرفان العالم كله أمام الحقيقة .. الشعب العراقي بصموده المذهل والقوات المعتدية بتعنت المسئولين وغطرستهم وبالخسائر التي ألحقتها بشعب العراق ..وهكذا اجتمع وزراء الخارجية العرب في القاهرة ليبحثوا الموقف ، وكان أهم ما في الاجتماع أنه تم تحت عنوان العدوان الأمريكي على العراق . صحيح أن مندوب الكويت تحفظ على القرار بإدانة هذا العدوان وصحيح أن مندوب قطر خرج ينعي العمل العربي. لكن هذا لا يمنع من أن العرب اجتمعوا وتناقشوا واتفقوا على إدانة العدوان الأمريكي ـ البريطاني والتحرك على كل الجبهات لمواجهته . هذا التحول اللغوي لم يأت من فراغ كما قلنا ولا ينبغي أن يذهب إلى فراغ فأول أسس المواجهة أن يتم الإتفاق على توصيف الحالة وأن ينقشع الضباب الذي كان يراد له أن يحجب الحقيقة وأن تفرض الاحداث ـ لا الأوهام ـ منطقها على الجميع. وهذا ما حدث ويحدث، ولو ببطء شديد. ففي البداية كان الحديث الرسمي العربي يدور حول الأمنيات بانتهاء الحرب سريعا وتجنيب الشعب العراقي ويلاتها والمساعدة في تطويق المأساة الإنسانية التي ستنتج عنها بتقديم كافة المساعدات .ولكن المعادلة الآن إنقلبت أو بالأدق اعتدلت . فجهود الإغاثة مسئولية المؤسسات الإنسانية والهلال الأحمر في كل البلاد العربية سيلقي كل الدعم من المؤسسات الرسمية والجمعيات المدنية لأداء الواجب . ولكن المهمة الأهم أمام النظم العربية ينبغي أن تتوجه لهدف واحد هو:إيقاف هذا العدوان على شعب العراق . وقد تبدو المهمة ـ عند البعض ـ مستحيلة أمام الإصرار الأميركي والإنقياد البريطاني لقرار الحرب، وأمام ظروف عالمية انفردت فيها اميركا بالقرار، وأمام صورة سيئة لممارسات النظام العراقي في سنوات سابقة . لكن هذا كله يتغير الآن ..صمود الشعب العراقي أحدث المعجزة وقوى كبرى مثل روسيا وفرنسا تعارض العدوان والرأي العام العالمي كله يقف ضد هذه الهجمة المجنونة والمذابح التي ترتكبها قوات الغزو تزيد من اشتعال المعارضة داخل اميركا وبريطانيا،القيادات في واشنطن ولندن لا تملك إلا التوسع في العدوان على العراق كلما لحقتها الهزائم وواجهتها الصعوبات . والخشية من تكرار فيتنام يشعل الآن صراعا داخل دوائر إتخاذ القرار في واشنطن ولندن بين تيار يحاول البحث عن طريقة للخروج بالاكتفاء بانتصار صغير يبرر جر العالم إلى هذه الكارثة وبين تيار مستعد لأن يذهب لآخر الدنيا في سبيل تنفيذ مخططاته وهو ما يثير المخاوف داخل بعض الدوائر الحاكمة هناك من توسيع الحرب . خاصة بعد التصريحات الأخيرة لوزير الدفاع الأميركي رامسفيلد التي يهدد فيها سوريا وإيران والتصريحات الأخرى لوزير الخارجية «المتهم بالاعتدال كولن باول» والتي يهدد فيها روسيا . هذا المناخ الذي يثير مخاوف أوروبا ويزيد من اشتعال المعارضة للحرب حتى داخل بريطانيا واميركا لابد أن تواكبه حركة عربية من أجل وقف هذه الحرب الحرب العدوانية على الفور وهو الذي وضعت فيه الإدارة الاميركية العالم كله ومع دفع البعض في واشنطون نحو توسيع الحرب وإشعال المنطقة كلها . ولا يمكن أن يبقى العرب ساكنين ولا أن يكتفوا بمشاعر الحزن أو ثورات الغضب . بل لابد من حركة واعية تنسق مع الأطراف الدولية لوقف العدوان وتقدم رؤية يمكن أن يجتمع العالم عليها من أجل إعادة الأمر كله للشرعية الدولية قبل فوات الأوان . ـ نائب رئيس تحرير «أخبار اليوم» المصرية