الاحد 27 محرم 1424 هـ الموافق 30 مارس 2003 من القوانين الفعالة في ادارة الوقت قانون «باركنسن» القائل بأن العمل يتمدد حسب الوقت المتاح. وفي ذلك تأكيد قاطع على ان الانسان سيد قراره فيما يختص بكيفية تعامله مع مورد الزمن في انجاز مهماته. فبامكان الفرد ان يحدد سقفا زمنيا قصيراً لمهمة ما ليكسب اكبر احتياطي ممكن من الزمن الذي يملك، وبامكانه بالمقابل ان يضع سقفا مفتوحاً لكل مهمة اوكلت اليه فيهدر الوقت ويبدده دونما طائل. وشأن الامم كشأن الافراد في هذه المسألة فهي من يحدد جدولا زمنيا لانجاز اولوياتها في السلم واولوياتها في الحروب. وهي من يختار الوسائل المناسبة لانجاز الاولويات ويحققها على الوجه الامثل. ويعتبر الاجماع على هدف ما هو الخطوة الاولى لتحويل الاحلام والرؤى الى واقع ملموس. وفي غياب الاهداف المشتركة والرؤى الموحدة تنخفض انتاجية الشعوب، وتتدنى اهتماماتهم ويقعون فريسة سهلة امام الافكار الدخيلة والمستوردة الامر الذي يفضي الى تكريس المشاكل وتفاقمها على المدى الطويل. وفي ظل غياب الاهداف المشتركة التي يجتمع عليها افراد الامة جميعاً ينفسح المجال للاجتهادات الفردية التي تأتي كردة فعل طبيعية من بعض الشرائح التي تتمرد على هذا السكون، وتثور على الرتابة التي تلون الحياة الاجتماعية باللون الباهت. ويبحث افرادها عن ادوار نوعية يستثمرون من خلالها مشاعرهم الحية، وقناعاتهم الجيدة بأهمية الارتقاء بمستوى المفاهيم والتصورات بما يحقق للامة قدرا من الفاعلية والتأثير. ومن ابرز الامثلة على محاولات التمرد على سبات الامم في اوقات الحروب المظاهرات التي تخرج فجأة في مجتمع من المجتمعات ثم سرعان ما تتلاشى ويخبو صوتها مشكلة بذلك صورة جديدة من صور التعامل غير التقليدي مع الازمات القومية ومقدمة تجربة قصيرة الامد للخروج عن النمطية والرتابة في التعامل مع التحديات التي تواجه الامة. لكن ما يفقد مثل هذه الرسائل الاجتماعية المؤقتة اثرها المطلوب غياب الدعم المجتمعي الذي تعوّد على المواقف التقليدية في التعامل مع الازمات والذي لا يتجاوز التضامن الشفوي المفتقر الى اي نوع من المصداقية والتأثير. وعودة الى قانون باركنسن الذي ربط ما بين الانجاز وطبيعة السقف الزمني المحدد له يتأكد لنا ان الويلات التي المت بنا تعود الى الفشل الذريع في التعامل مع الوقت، والى الاهدار التاريخي للزمن الذي بتنا نحصد نتائجه اليوم. ولقد كان هدر الوقت في العقود الماضية مسألة عادية بالنسبة للقائمين على المؤسسات الوطنية بشقيها الرسمي والاهلي. ولم يكن وارداً لدى الاذهان ان التهوين في التعامل مع الزمن سيجلب كل هذه الكوارث التي نعاني منها اليوم. لذلك كان الشعور المتدني بقيمة الزمن كمورد مصيري لا يقبل المساومة ولا انصاف الحلول مطية الفشل الذي اوصلنا الى هذا الدرب المسدود. وإلا فأين هو السقف الزمني الذي وضعته اي دولة عربية لانجاز اهدافها في التنمية والتطوير؟ واين هو السقف الزمني الذي وضعته الدول العربية لارجاع حقوقنا المغتصبة منذ الوعد المشؤوم الى اللحظة الراهنة؟ اين هو السقف الزمني لانهاء المشاكل العالقة بين الدول العربية من جهة، وبينها وبين دول العالم من جهة ثانية؟ اين هو السقف الزمني لتحويل اماني الوحدة والسوق العربية المشتركة، وتوحيد العملة والتبادل التجاري الحر، وتشجيع الصناعات الوطنية للانتقال من مرحلة الاستهلاك الى مرحلة الانتاج والاكتفاء الذاتي؟ الف سؤال غاضب تثيره هذه القاعدة الادارية الفائقة الاهمية: ان العمل يتمدد حسب الوقت المتاح. وبما انه ليس هناك سقف محدد، فالزمن المتاح ربما امتد الى الاحفاد واحفاد الاحفاد فمن يدري؟ لا احد يستطيع التكهن بالغيب لان انجاز الاهداف، وتحقيق الآمال معلق بزمن مفتوح. ما يعني ان النهاية ايضاً مفتوحة وقابلة لكل الاحتمالات