الاحد 27 محرم 1424 هـ الموافق 30 مارس 2003 كما لا يوجد عربي واحد ينتظر من إدارة بوش أدلة تقنعه بتوتاليتارية صدام ونظامه وحاجة العراقيين لرياح الحرية، فليس في وسع الإدارة الأميركية، اقناع أي عربي بأن المجازر التي تشهدها ضفاف دجلة والفرات تكتسي ملمحاً إنسانياً أو تشكل مساهمة حضارية لصالح الرجال والنساء والأطفال في بلاد الرافدين. على نقيض ذلك تماماً كلما توغلت الحملة الأميركية في التراب واللحم العراقيين كشفت عن وجه قبيح لا يعبأ بالروح الإنسانية، كأنما يزيده مشهد الدم سعاراً. حصيلة القصف الجوي والبري من البصرة الى بغداد دفعت المشهد العراقي برمته خارج الاحتمال الإنساني وارباك العين والذاكرة العربيتين. لم يعد أي عراقي قادراً على الفرز بين الصور الدامية والجثث المهترئة والغارقة في الدم والمتفحّمة والسيارات المخترقة بالقذائف والمحترقة في سوق الشيوخ والشعلة والناصرية والنجف وبين ما ألفه في جنين ونابلس وجباليا. كما ان استهداف أو تدمير مؤسسات مدنية من طراز مبنى التلفزيون ووزارة الإعلام وبرج الاتصالات في بغداد أو اقتحام مستشفى في الناصرية يعيد الى ذاكرة كل عربي قسراً ممارسات العدو ضد البنى السياسية للسلطة الفلسطينية في رام الله وغزة. تداخل المشاهد على هذا النحو التلقائي يعلّق علامة استفهام كبرى أمام كل عين عربية عن الدم العربي المهدر في فلسطين والعراق وبين طبيعة العلاقة بين آلات التقتيل في الحالتين. من الطبيعي أن يحرض المشهد المرء على التساؤل عما إذا كان ثمة تطابق بين ما يدور في رؤوس مصممي الخطط والاستراتيجية في غرف العمليات السياسية والعسكرية في المعسكرين. من اليسير أن يرى كل عربي «خطة طريق» وأحدها ينفذها جنود في أزياء عسكرية متباينة ولكن بأسلحة تتشابه ان لم تتطابق. من حق كل عربي أن يتساءل عن بواعث العدو في فرض حالة من الحصار ضد عربي على أرضه بحتمية تجويعه وتركيعه. من المفارقة المبكية أن يصبح هم الإنسان العربي مغالبة الجوع في وقت تشكل أرضه تربة شديدة الخصوبة للغذاء. لماذا يشغلنا الجميع بلقمة الخبز وحدها؟ تحت ظل مثل هذه الممارسات يصبح من غير المقبول التسليم بوجه إنساني لأي حملة دموية مهما اكتست من شعارات نبيلة. الارباك الذي يكتنف معسكر الحرب الأميركية البريطانية لم يعد قاصراً على أروقة صنع القرار السياسي وغرف العمليات العسكرية. الانشقاقات والتصدعات انعكست على «معسكر الراغبين». جبهات القتال تشهد كذلك ارباكاً مماثلاً.. الأرتال المعلقة على خطوط الاندفاع تفضح إرباك الكبار. من الواضح ان إدارة بوش تود عزل بلاد الرافدين عن محيطها الجيبوليتكي. الاتهامات والتحذيرات الى دول الجوار تستهدف إقامة سياج سياسي حول ميدان الحرب. من المؤسف أن يصبح استئناف النفط مقابل الغذاء هو كل ما يصدر عن الأمم المتحدة في أتون حرب أكملت العشر الأوائل من عمرها المبهم. أميركا نجحت في استبدال دور المنظمة الدولية. وبدلاً من تكريس جهدها من أجل صيانة السلم العالمي أصبحت منظمة عنان هيئة للإغاثة. العراقيون يأكلون من نفطهم، فليس لأحد فضل في ذلك البرنامج المقتر. العراقيون لا يأبهون بالجوع. ما مر عام والعراق ليس فيه جوع. اليد التي تطلق قذائف الموت لا يمكن أن تقدم خبز الحرية