السبت 26 محرم 1424 هـ الموافق 29 مارس 2003 قبل ثلاثين عاماً عندما كنت طالباً في جامعة بغداد اتذكر انني قد كتبت عبارة وضعتها امام عيني وعلى مكتبي تقول: «بغداد أم النجاح» وذلك يعني إما أن أجد وأجتهد وأنال النجاح، وإما ان أعود الى بغداد لتقديم الدور الثاني في صيفها الحار والجاف، حيث لم يكن لدينا مكيف ولا حتى مراوح! وقلت لزملائي: اذا نجحت فاقرأوا العبارة «بغداد أم النجاح» بضم الالف والميم. نعم تذكرت هذه العبارة. وتذكرت معها حي الوزيرية الذي كنت اسكنه. كما تداعت الذاكرة بنهر دجلة العظيم والرصافة، وتذكرت الكرخ وشارع الرشيد وتذكرت حافلة المواصلات رقم 5 التي تأخذنا الى السوق ـ وحالة الضيق والزعل اذا ما فاتتنا الحافلة رقم 6 التي تأخذنا الى حي «راغبة خاتون» حيث كلية القانون والسياسة. نعم تذكرت ابناء الاعظمية وهم يعبرون عن حزنهم لمقتل احفاد رسول الله «صلى الله عليه وسلم» في عاشوراء.. رأيتهم في هذا اليوم وهم يشيعون شهداءهم! تذكرت احياء الوزيرية وشوارعها وازقتها، كما تذكرت مقهى الحاج شلش والشاي الطوخ.. لقد ارتسمت التفاصيل بأبعادها واشكالها المختلفة وكأنني ارتشف الشاي «الخدري»، في تلك المقاهي العتيقة التي تنتشي بعبق المكان والزمان! تذكرت رابطة طلبة عمان التي كانت تضم طلبة عمان وطلبة امارات الساحل قبل الاتحاد. تذكرت بغداد بحلوها ومرها وكل ما فيها من مكتبات وكتب واناس وشوارع ورائحة الزمان القديم الذي يأخذنا الى حاضرة العرب، وفترة العلوم والتألق العلمي والادبي الذي نهلت منه اوروبا كثيراً عندما كان النور هنا والظلام هناك! تذكرت ذلك بعد أن شدني هول ما رأيت من قصف وجحيم يصب عليها. نار العدوان والكراهية.. نار الحقد.. نار الهمجية. بغداد غالية انت.. كيف لا وفيك ذكريات الشباب.. وفيك تعلمنا، ومنك نهجنا الانتماء الى الوطن.. تعلمنا الاخلاص في العمل، تعلمنا من خلالك ان يحب ابناء العروبة بعضهم بعضاً. ابلغك يا بغداد بأننا طبقنا ما تعلمناه فيك، اخلصنا لوطننا ودعمنا اتحادنا بعد ان اصبح لنا كيان نعتز به، ونعمل من اجل مستقبله، بعد ان رحل المستعمر الذي جعلنا نتخبط في غياهب الجهل والعزلة.. نعم قامت دولتنا عربية مؤمنة بانتمائها وحققت بعض الحلم الكبير في الوحدة، فلماذا لا تكونين غالية يا بغداد، ألست ارض الرسالات والانبياء؟ ألست حاضرة الدولة الاسلامية وعاصمة هارون الرشيد؟ أين حمورابي ليرى كيف يفسر الغزاة قوانينه؟ أين انت يا نبوخذ نصر يا ملك آشور لتسبي الطغاة والمعتدين؟ أهكذا يقام العدل وهكذا تكون الديمقراطية؟ هكذا يقصف البشر ام انها سياسة القوة والبطش والظلم والتعالي على الامم؟ سنغفر لك يا بغداد هفواتك وزلاتك ولن اردد بعد اليوم ما قاله الشاعر الدكتور غازي القصيبي بالامس «1990»: سترت وجهي يا بغداد من خجلي وصحت قل يا فمي شعراً فلم يقل وقلت يا بغداد هذي.. تنكرها لم تكن هي وحي الحب والغزل وسأردد ما قاله شاعر العراق الكبير معروف الرصافي: يا قوم ان العدا قد هاجموا الوطنا فانضوا الصوارم واحموا الاهل والسكنا واستنفروا لعدوّ الله كل فتى ممن نأى في أقصى ارضكم ودنا واستنهضوا من بني الاسلام قاطبة من يسكن البدو والارياف والمدُنا واستقتلوا في سبيل الذود عن وطن به تقيمون دين الله والسننا بغداد ستبقين رمز عروبتنا ورمز حضارتنا سنردد أغنيتك يا بغداد دائماً: بغداد يا قلعة الأسود يا كعبة المجد والخلود ستنتصر بغداد باذن الله وتعود جحافل الغزاة تجر ثوب العار والذل، كما عاد هولاكو من قبل بعد ان عاث في بغداد تدميراً وخراباً، لكن رأيت كيف عادوا؟ المغول عادوا يحملون راية الاسلام ويبشرون به.. من يدري كيف ستكون النهاية لهذه الحرب العدوانية.. الله وحده يعلم خافية الاعين وما تكن الصدور... أيها العرب أيها المسلمون ألا يكفي الشعب العراقي عذاباً وقهراً ألا يكفيه حصاراً وجوعا... اثنا عشر عاماً من الحصار ألا يكفيه ذلك عقاباً لفعلته... أليس ذلك كفارة؟ كفى.. كفى، ان الهدف ليس العراق بل كل العرب والمسلمين.. ألا يكفينا هواناً وخضوعاً وضعفا. دعونا نبني الرجال لا نبني الاحجار. قال رسول الله صلى عليه وسلم: «تتداعى عليكم الامم كما تتداعى الأكلة على قصعتها. قالوا أمن قلة نحن؟ قال بل أنتم كثر ولكنكم غثاء كغثاء السيل». ولكن لا تقلقي.. سيعود الامر كما كان.. وتاريخك شاهد على ذلك. نعم ستكونين أم النجاح كما كنت دائماً، ستنجحين باذن الله وبصمود شعب العراق وابناء العروبة. لقد طال الفراق يا بغداد فما عدت احتمل الفراق.. سأزورك ان شاء الله، واصطحب ابنائي معي.. سنزور معالمك وأسوار عظمتك، سنزور متاحف تاريخك المجيد.. سأشرب من نهري دجلة والفرات مرة اخرى باذن الله. ستعودين بهية نضرة رافعة راية العزة والكرامة والنصر ان شاء الله.