السبت 26 محرم 1424 هـ الموافق 29 مارس 2003 يتساءل بوب هيربرت، احد كبار المحللين في صحيفة «هيرالد تريبيون» الاميركية على خلفية القصف الجوي اليومي على بغداد والموصل وكركوك ومدن عراقية اخرى: «هل يدرك معظم الاميركيين انه بينما تتوالى اشد الغارات الجوية تدميرا في تاريخ الحرب البشرية تصطف شركات اميركية استعداداً لجني ارباح من اعادة تعمير نفس المنشآت التي تقوم القوات الأميركية الآن بتدميرها عمداً؟». من ثم ينتقل هيربرت الى الحديث عن هذه الشركات الاميركية فيقول ان في مقدمتها «هاليبيرتون» و«مجموعة بكتل» و«شلومبيرغر» هذه الشركات، يضيف المحلل الاميركي، هي التي، على عكس غالبية الشعب الاميركي بما في ذلك الشبان والشابات الذين يقاتلون على رمال الصحراء العراقية، تدرك الاغراض الحقيقية من شن الحرب الاميركية في العراق. وهكذا تتكشف يوماً بعد يوم طبيعة هذه الحرب. فالأهداف المعلنة ـ تحرير الشعب العراقي من نظام استبدادي واحلال الديمقراطية ونزع اسلحة الدمار الشامل ـ ليست سوى لافتات للتمويه. وفي هذا السياق فإن تحليل بوب هيربرت سبقه تحليل لزميله كريس فلويد تحدث فيه عن الهدف النفطي من وراء العدوان. وربما لم يأت فلويد بجديد عندما قال ان ادارة بوش تسعى من وراء احتلال العراق والاستيلاء الكامل على صناعته النفطية الى التحكم في سوق النفط العالمية عن طريق التحكم في المعدلات الانتاجية اليومية للنفط العراقي الحاكم فترفع معدل الضخ اذا ارادت لاسعار النفط العالمية ان تنخفض او تفعل العكس اذا تراءى لها ان ترفع الاسعار.. وفقاً، في كلا الحالتين، للمصالح التجارية لشركات النفط الاميركية والمصالح الاستراتيجية لمتطلبات الاقتصاد الوطني الاميركي وبالاضافة الى ذلك تستطيع الولايات المتحدة ايضاً ممارسة ابتزاز اقتصادي او سياسي على منتجي النفط العرب. اقول ان هذا ليس بالجديد فالهدف النفطي من وراء الحرب الاميركية فضحه خبراء متخصصون ـ اميركيون وغير اميركيين ـ حتى قبل ان تطلق واشنطن اول صاروخ على بغداد يوم الخميس 20 مارس. لكن في قسم آخر من مقالته التحليلية يتحدث فلويد في نفس السياق النفطي عن شيء جديد. يقول فلويد ان للولايات المتحدة هدفاً استراتيجياً بعيد المدى يتمثل في كبح تقدم القوى الاقتصادية العالمية المنافسة، وعلى وجه التحديد الصين ودول الاتحاد الاوروبي انها معركة القرن الحادي والعشرين من وجهة نظر واشنطن كما يقول الكاتب ولنتوقف لنتابع منطقه. ان الولايات المتحدة ليست بحاجة الى نفط الشرق الاوسط من اجل الاستهلاك وعلى العكس من ذلك الصين واوروبا ومع تصاعد النمو الاقتصادي الصيني والاوروبي تتعاظم حاجتهما الى نفط مستورد عن طريق السيطرة على نفط العراق، الذي يملك ثاني اكبر احتياطي نفطي في العالم بعد السعودية، فإن الولايات المتحدة تستطيع ان تتحكم في معدلات انتاج النفط العربية عامة. وعن طريق هذا التحكم سيكون بوسعها التحكم في سوق النفط العالمية من حيث الامدادات والاسعار. ومثل هذا الوضع سوف يمكن الولايات المتحدة من ممارسة سياسة ابتزازية على كل من الصين ودول الاتحاد الاوروبي. وهكذا فإن النفط العراقي كأحد اهداف الحرب الاميركية على العراق ليس غاية في حد ذاته وانما لغرض استخدامه كسلاح اقتصادي (وسياسي) في وجه قطبين دوليين يعتبران اكبر منافسين اقتصاديين وتجاريين للولايات المتحدة وعلى هذا الاساس فإنهما مرشحان للتفوق على الولايات المتحدة كقوة اقتصادية اولى في العالم. هذا على المدى البعيد. اما على المدى القريب المرئي فإن الامر يتعلق، كما قال المحلل الاميركي بوب هيربرت، بنهب الثروة النفطية العراقية باسم «اعادة التعمير». ويبدو السيناريو الموجز كالآتي: تنطلق الحرب لاحداث اوسع نطاق من التدمير العمد في العراق.. عقب الحرب مباشرة يجري اعادة تأهيل آلة الصناعة النفطية العراقية.. تقام حكومة احتلالية اميركية في بغداد او حكومة عراقية عميلة تكون امتداداً محلياً للادارة الاميركية في واشنطن.. تبرم هذه الحكومة عقودات مع شركات اميركية لاعادة التعمير في العراق.. يجري تمويل العقودات من عائدات النفط العراقي. وهنا يقول هيربرت ان اسبقية التعاقد سوف تكون من نصيب الشركات المتخصصة في ترميم المنشآت النفطية بغرض اعادة الضخ النفطي العراقي الى معدله الاقصى وفي مقدمة هذه الشركات ستكون شركة «هاليبيرتون» لان كلا من نائب الرئيس الاميركي ديك تشيني ومستشارة الامن القومي كوندوليزا رايس كانا ذات يوم كبيري مديري هذه الشركة! وهكذا يتواصل القصف الجوي اليومي على المدن العراقية باعتبار انه نوع من الاستثمار.