السبت 26 محرم 1424 هـ الموافق 29 مارس 2003 اعتاد الرئيس الأميركي «جورج بوش» أن يستيقظ مبكرا وخيوط الفجر في مدينة واشنطن تفتح عينيها بثقل وهي تنسلخ عن سواد الليل وتتحرر منه.. لكنه لا يبدأ يومه بقراءة تقارير المخابرات أو برقيات الأخبار أو الكتب الترفيهية التي يعشقها.. ولا يبدأ يومه بتقديم فنجان القهوة لزوجته «لورا» وهي في الفراش.. وإنما ينزوي في ركن هادئ في مقر اقامته في البيت الأبيض ليقرأ عظات إنجيلية قصيرة كتبها «أزوالد تشمبيرز».. وهو مبشر اسكتلندي جوال كان ينشر تعاليم الكتاب المقدس في صفوف الجنود البريطانيين في مصر وفلسطين خلال الحرب العالمية الأولى.. وقد اعتقد أتباعه في جيش الامبراطورية التي لم تكن تغرب عنها الشمس أنهم سيطروا على القدس بفضل عظاته. ويردد «جورج بوش» كل صباح وهو يقرأ كتابه: «حين تواجه الصعاب لا حول لك ولا قوة وجل ما تستطيعه هو تحمل المشقة في الظلام ما لم تخرج وتسلم نفسك للرب».. وفي أعماقه فإنه لم يستطع التخلي عن إدمانه الكحول إلا عندما سلم نفسه للرب.. حسب ما نشرته مجلة «نيوزويك» الأميركية. على أنه في فجر يوم الحرب على العراق لم يتح له أن يقرأ ما اعتاد عليه.. فقد كان عليه أن يناقش اقتراح «جورج تينيت» مدير وكالة المخابرات المركزية باطلاق أربعين صاروخ «كروز» و«توما هوك» على مكان في جنوب بغداد يسمى «مزرعة الدورة» يبيت فيه ليلته الرئيس العراقي «صدام حسين» وأربعة من كبار مساعديه.. ولو دمر المكان وقتل من فيه فإن الحرب تكون قد انتهت قبل أن تبدأ.. والفوز بها يكون قد تحقق دون إراقة قطرة واحدة من الدماء.. في عملية جراحية تشبه جراحات الليزر.. وعلى الفور عقد الرئيس الأميركي اجتماعا استمر ثلاث ساعات مع فريق الأمن القومي.. وانضم الى الاجتماع طاقم من المحامين الدوليين ليبحثوا مدى شرعية قتل رئيس دولة أجنبية بغارة جوية.. ولم تأخذ هذه المشكلة وقتا طويلا.. فالحرب نفسها تقررت دون سند شرعي من الأمم المتحدة.. ويعترض عليها ثلاثة أرباع سكان العالم على الأقل.. وثلث الشعب الأميركي نفسه لا يوافق عليها.. ولا تتوقف المظاهرات المعارضة لها في معظم المدن الأميركية. وكانت حجة «جورج تينت» إن هذه الفرصة ضاعت من قبل في أفغانستان عندما كان ممكنا اصطياد زعيم «طالبان» الملا «محمد عمر» في طريق جبلي ضيق هو ومجموعة من أنصاره.. ولكن تأخر القرار بسبب فرق التوقيت وبسبب وجود قيادة القوات الأميركية في «فلوريدا» أشعل الحرب وأطال أمدها وسبب خسائرها.. وكان ما كان.. وجرت موافقة غير مترددة على خطة مدير وكالة المخابرات المركزية.. خاصة وأن قيادة القوات انتقلت من «فلوريدا» الى «الدوحة».. ويسهل تنفيذ الخطة خلال نصف ساعة فقط. ولم تكن هناك مشكلة أن جنرالات الحرب لم يأخذوا علما بالخطة.. فقد كانوا يغطون في سبات عميق في انتظار ساعة الصفر التي كان مقررا لها فجر السبت وليس فجر الخميس بالتوقيت المحلي للعراق.. أيضا فإن حلفاء الولايات المتحدة لم يتح لهم معرفة ما سيجري في وقت مناسب.. فبريطانيا واسرائيل عرفتا بما سيجري قبل ساعة واحدة فقط.. كذلك فإن الذين سارعوا باتخاذ القرار لم يشغلهم أنه قبل ساعتين من اجتماعهم كان هناك نحو 300 جندي من القوات الخاصة تتسلل تحت جنح الظلام الى المناطق الغربية والجنوبية من العراق لتلتحق بقوات شبه عسكرية تابعة للمخابرات المركزية كانت داخل العراق.. وكانت مهمتها قطع الاتصالات والاستيلاء على نقاط المراقبة وفعل كل ما في وسعها لمنع العراقيين من اطلاق صواريخ سكود على اسرائيل أو إشعال النار في آبار النفط. ولا جدال أن المخابرات الأميركية نجحت في تجنيد شخص مقرب من الرئيس العراقي هو الذي أمدها بمكان مبيته خارج بغداد.. وأغلب الظن أن هذه المعلومة التي تصنف على أعلى درجة من الأهمية قد وصلت عبر شبكة من العملاء المزدوجين الذين يخدمون النظام علنا ويعملون لحساب خصومه سرا.. وقد أنفقت واشنطن على هذه الشبكة نحو 200 مليون دولار.. على اثر قرار وقعه الرئيس الأميركي في يناير عام 2002 في وقت كانت فيه الحرب الأميركية في أفغانستان تقارب النهاية.. وبعد 6 أشهر بدأ أول فريق شبه عسكري للمخابرات المركزية في جمع المعلومات ولقاء جماعات المعارضة والتسلل الى العراق وفتح قنوات اتصال مع عراقيين ينتشرون في جميع أرجاء البلاد بما في ذلك بغداد. وفي الوقت نفسه كان وزير الدفاع «دونالد رامسفيلد» ورئيس القيادة المركزية المسئول عن العمليات العسكرية في 25 دولة في أفريقيا وآسيا والجنرال «تومي فرانكس» قد انتهيا من وضع المسودة رقم عشرين لخطة الحرب.. وقد جرى وضعها ببطء شديد في الصيف الماضي.. وقبلت أول نسخة منها في أول الخريف.. بالتحديد في منتصف شهر سبتمبر الماضي.. على حد معلومات الصحفي الأميركي «بوب وود ورد» مفجر فضيحة «ووتر جيت» والمعروف بقدرته الفائقة على كشف التفاصيل والأسرار التي تختبئ في كواليس مؤسسات السلطة الأميركية.. وقد ارتاح «بوش» الى هذه الخطة.. وكان متوقعا تنفيذها قبل نهاية العام.. لكن.. بالحاح من وزير الخارجية «كولن باول» جرى تأجيل ساعة الصفر.. ووافق البيت الأبيض على اللجوء الى الأمم المتحدة أملا في مزيد من الحشد والدعم الدولي لنزع أسلحة العراق.. وقد استغل صقور البنتاجون الذين حرضوا على الحرب وأصروا على خوضها طول فترة العملية الدبلوماسية في دفع مزيد من القوات والعتاد الى منطقة الخليج.. وتطوير الخطة أكثر من مرة. ويوصف الجنرال «تومي فرانكس» بالمحارب الصامت.. وقد كان مقاتلا في فيتنام.. وأصيب هناك ثلاث مرات وهو ضابط صغير في المشاة.. لكنه لا يذكر أنه كان في مدرسة ثانوية واحدة مع «لورا بوش» (زوجة الرئيس الأميركي) في مدينة «ميدلاند بولاية» تكساس وإن كان يكبرها بعامين.. وعلى عكس عدد هائل من كبار جنرالات البنتاجون لم يقاوم «تومي فرانكس» حملة «بوش» من أجل الحرب على العراق.. واعتبرته الادارة الأميركية رجلا مناسبا لهذه المهمة الصعبة والحرجة.. فهو يرغب في الاحتفاظ بالخسائر عند حدها الأدنى.. ويحب التفاصيل الصغيرة بلا سأم.. ويكره الشكوى.. ويستيقظ عادة مبكرا في الساعة الرابعة صباحا.. ويكره المقابلات الصحفية.. ويعشق النكات الشائعة.. ويستمع بصبر لكل من يملك شيئا يقوله.. ويؤمن كثيرا ممن يعرفونه عن قرب أنه غير واسع الخيال.. على أنه نجح في خلق علاقات قوية مع عدد من القادة في الشرق الأوسط ممن يبدون أنهم معجبون بأسلوبه البسيط.. على حد ما جاء في عدد بداية العام من مجلة «نيوزويك» الذي وضعته على غلافها. وبينما كان ذلك العدد من المجلة الأميركية الشهيرة يباع في الأسواق كان الجنرال «تومي فرانكس» قد قلص الفترة ما بين القصف الجوي والغزو البري الى أربعة أيام.. رافضا تكرار ما جرى في أفغانستان.. قوات خاصة وعملاء في الداخل وقوة طيران هائلة ترشدها الأقمار الصناعية.. وأصر على أن يكون الغزو هذه المرة غزوا تقليديا.. ومن ثم كان حشد القوات هائلا ويعتمد على قوة ساحقة.. وقد وصفت هذه العملية باسم «عصير الأفيال».. دلالة على استخلاص أشياء صغيرة من عمليات كبيرة.. ولكن بعد ثلاثة أسابيع قرر أن يبدأ الحرب بنشر قوات خاصة ضخمة سرا في العراق.. وألح على أن هذا الأمر يمكن تنفيذه خلال 48 ساعة قبل أن يدرك أحد أن الحرب قد بدأت.. لكن.. الرئيس الأميركي لم يعبر عن ارتياحه تجاه هذه الفكرة.. وقال: «إنه سيعلن بداية الحرب عندما يقرر ذلك». وفور الانتهاء من المهلة التي حددها الرئيس الأميركي للرئيس العراقي ليغادر خلالها بلاده والتنازل عن سلطاته تدفق المراسلون الصحفيون على البنتاجون في انتظار بدء العمليات.. ولكن.. كانت الأنوار في وزارة الدفاع الأميركية مطفأة.. وليس فيها من يبل الريق بكلمة واحدة.. على أن الحرب كانت قد بدأت بعد نحو ساعتين من انتهاء المهلة.. وهو ما أثار دهشة الجميع.. خاصة أولئك الذين لم يتصوروا أن بداية الحرب قد حددها «جورج تينيت» وليس «دونالد رامسفيلد».. إن أقصى ما نجح فيه وزير الدفاع الأميركي هو إعطاء أوامر تنفيذ خطة الحرب شفهيا في نفس اللحظة التي تلقى فيها «صدام حسين» الانذار الأخير.. لقد خشي «دونالد رامسفيلد» تسريب الجدول الزمني للتنفيذ.. فأصر على أن يكون التكليف غير مكتوب.. وهي المرة الأولى في تاريخ المؤسسة العسكرية الأميركية التي لا تضم سجلاتها أمرا مكتوبا ببدء العمليات. وبعد أن تحركت القوات الأميركية الخاصة مصحوبة بوحدات أصغر من القوات البريطانية والاسترالية الخاصة الى داخل العراق بنحو ساعتين ونصف الساعة ذهب «جورج تينيت» الى البيت الأبيض وعرض عليه خطة قتل «صدام حسين» بصواريخ كروز... وبالموافقة على هذه الخطة التي مسحت كل ما سبقها بدأت الحرب في مشهد افتتاحي غير متوقع.. وغير محسوب.. وقبل الموعد المحدد للحرب بيومين.. لكن.. الخطة لم تنجح.. والحلم لم يتحقق.. والصواريخ التي أطلقت على عجل لم تصب أهدافها.. فقد خرج «صدام حسين» حيا من بين الأنقاض ليظهر على شاشة التليفزيون العراقي وهو يثبت وجوده على قيد الحياة.. مرددا أبيات شعر من قصيدة ألقاها أمامه شاعر أردني في عام ,1995. أما «جورج بوش» فقد ترك بيانه الأول الذي كان سيلقيه في حالة نجاح العملية ليستبدله ببيان آخر.. يعلن فيه بدء الحرب.. ولم يكن في قمة لياقته النفسية والعصبية.. وما أن انتهى منه حتى عاد الى فراشه وراح يقرأ رسالة «أشعيا» المقدسة: «الرب صانع الحياة والتاريخ». ولم يكن الفشل في ضربة البداية هو الفشل الوحيد.. فقد كانت العمليات الحربية على الأرض مختلفة تماما عما صورته ماكينة الدعاية الأميركية المذهلة لها قبل ساعة الصفر.. مجرد نزهة صحراوية عابرة تنتهي بتناول القهوة وشطائر الهامبرجر في فندق «الرشيد» الشهير في قلب بغداد.. ثلاثة آلاف صاروخ تدمر في جراحة دقيقة خلال اليومين الأولين للحرب مراكز الاتصالات ومحطات الكهرباء وتجمعات الحرس الجمهوري العراقي.. ليخرج العراقيون بعدها وهم يستقبلون القوات الأميركية بالتمر والزهور.. بالعيش والملح.. فقد خلصوهم من ديكتاتورية فاشية قاسية.. وجاءوا اليهم بالحليب والعسل والديمقراطية.. ولكن.. هذا التصور فاته أن يضع في حساباته كلمة واحدة.. هي كلمة «الوطنية».. فقد خرج العراقيون لملاقاة الموت ليس في سبيل «صدام حسين».. ولكن في سبيل وطن لا قيمة لهم فيه لو بات محتلا مخنوقا مهما كانت الوعود والتخيلات. لقد حكم «صدام حسين» العراق بدموية يمكن أن تكون مضربا للأمثال.. وبوحشية يمكن أن تسجل في موسوعة «جينس» للأرقام القياسية في فصل الديكتاتورية.. فقد كان يتسلى بالقتل وكأنه يتسلى بحبات «الفول السوداني».. وكان أكثر العراقيين علما وقيمة ووجاهة لا يساوي عنده أكثر من رصاصة.. ولكن.. عندما يكون الوطن في إجازة من الحرية فإنه يعود مسرعا لو وجد غزوا أجنبيا يتهدده.. في هذه الحالة ينسى خلافاته ومتاعبه وحساباته الذاتية.. ويمسك بكل ما تطوله يده.. ويقاتل.. فالموت في سبيل الكرامة غريزة طبيعية كغريزة الرضاعة.. وغريزة حب البقاء والدفاع عن الحياة.. إن الوطن ليس علاقة سيئة بين مالك ومملوك.. بين ذابح ومذبوح.. لكنه علاقة بين أغصان الشجرة والشجرة.. بين حدقة العين والعين.. بين الحنجرة والصوت الذي يخرج منها. إن مؤسسة الحرب الأميركية لم تدخل في حساباتها كلمات مثل الوطنية والتضحية والكرامة والمقاومة.. بدت هذه الكلمات في عقولها الالكترونية الضخمة وكأنها مستوردة من قاموس عتيق.. عفا عليه الزمن.. ولا تنطبق عليه قوانين الجات.. وأصبج جزءاً من نهاية التاريخ.. تصورت هذه المؤسسة الكاسحة أن شرف المواطن العربي أرق من ورقة السيجارة.. وأن جسده يمكن أن يطرز بالثقوب والشقوق والحفر التي تتسع لمرور قطار بضاعة.. ولذلك كانت صدمتها الكبرى عندما لم تجد عملية غزو العراق كما توقعت.. سكين ساخن حاد في قالب من الزبد.. مدرعة حديدية قوية تدوس رجال وبيوت من رمال... سطح من الريم يمكن كشطه بيد عارية.. تصورت هذه المؤسسة القوية أنها بمجرد أن تطرق أبواب العراقيين سيغيرون أسماءهم الأولى التي توحي بصفات الشدة والشجاعة والفروسية مثل صخر وصابر وضرغام وفارس وسبع ليبحثوا عن أسماء أخرى مثل فيفي وكوكو وزوزو.. وغيرها من الأسماء المطابقة لتحولاتهم الهرمونية.. والمعبرة عن حالة الالتباس الجنسي التي انتهوا اليها. لقد كانت المقاومة العراقية حالة وطنية طبيعية أخرجت شعبا بأكمله من تحت طبقات النفتالين السميكة التي غطوه بها.. وهو ما جعل الادارة الأميركية تعلن أن الحرب يمكن أن تطول.. وأن الخسائر يمكن أن تقترب من مرحلة التضحيات.. وأن صور الأسرى والقتلى الأميركيين لا يمكن أن تنشر.. وأن المظاهرات المناهضة للحرب يجب أن تقمع.. وأن مليارات إضافية للإنفاق على العمليات العسكرية يجب أن تصرف.. وأن وسائل التضليل يجب أن تستمر.. وأن الحقيقة يجب أن لا تذكر. إنهم يسمون الاندحار استراتيجية.. ويسمون العار شرفا.. ويسمون الخنوع حكمة.. ويسمون الاستسلام واقعية.. ويسمون الغزو حرية.. ويسمون الهوان ديمقراطية.. ولكن.. نجح المواطن العراقي البسيط الذي أسقط طائرة «أباتشي» ببندقية عتيقة في أن يعيد للكلمات معانيها المفقودة.. وكيانها الضائع.. ومهما كانت النتائج بعد ذلك فإن العرب هناك.. في العراق قد رفضوا الإقامة داخل حذاء أميركي ثقيل.. وكان هذا في حد ذاته وجع قومي لا يطاق.. نحمد الله إننا لم نشعر به.. فيكفي ما نحن فيه. ـ كاتب مصري