السبت 26 محرم 1424 هـ الموافق 29 مارس 2003 .. يبدو أن مستشاري الرئيس الأميركي جورج بوش أخفوا عنه كافة بنود اتفاقية جنيف وجميع القوانين الدولية الأخرى، واكتفوا بابلاغه أن تصوير الأسرى يعتبر خرقاً واضحاً للاتفاقية، وبالتالي لم يتورع في الخروج علناً للاحتجاج على تصوير الأسرى الأميركيين واظهارهم على شاشات التلفزيون صاباً جام غضبه على العراق ومهدداً بملاحقة من يقوم بذلك كمجرم حرب!! .. أما عن شرعية الحرب نفسها والقصف المستمر ليل نهار وتحويل البلاد الى جحيم.. وقتل الأبرياء والأطفال فان ذلك حلال مباح لا خرق فيه ولا انتهاكات ولا جريمة تذكر.. لن نطيل الحديث عن انتهاكات الولايات المتحدة وخروجها عن الشرعية الدولية لأن ذلك الأمر أصبح يشاهده العالم بأسره على الهواء مباشرة في كافة القنوات الفضائية وسنكتفي بقضية تصوير الاسرى التي جعلت الرئيس الاميركي يخرج عن طوره ويفقد صوابه ويجن جنونه.. وفي البداية لابد من الاشارة الى ان اتفاقية جنيف لم تشر صراحة في اي بند من بنودها الى عملية تصوير الاسرى ولكن اعضاء اللجان والمنظمات الانسانية يستندون في ذلك الى المادة 13 التي تنص على ان اسرى الحرب يجب ان يعاملوا في كل الاوقات بطريقة انسانية ويجب ان «تتم حمايتهم في كل الاوقات وخصوصاً ضد اعمال العنف او الترهيب وضد الاهانات وفضول العامة» كما ان المادة 14 من الاتفاقية تنص على «حق اسرى الحرب في كل الظروف في احترام شخصهم وكرامتهم». اذن جورج بوش يتمسك ببند من اتفاقية جنيف لم يشر صراحة الى تجريم ما قام به العراق بينما يتجاهل كافة البنود التي تجرم ما يقوم به هو وجنوده منذ بداية الحرب، وحتى لو افترضنا ان العراق خرق القانون الدولي من خلال التصوير، ألم يشاهد جورج بوش المشاهد التي صورتها وسائل الاعلام المرافقة للقوات الاميركية للاسرى العراقيين؟! فهل ما يحرمه القانون الدولي على العالم يحلله الاميركان على انفسهم فقط؟ .. وعلى غرار حملة بوش شن وزير دفاعه ايضاً دونالد رامسفيلد حملة شبيهة على العراق بعد عرض صور الاسرى الاميركيين وانتقد بعنف هذا التصرف مدعياً بأن ذلك انتهاك لاتفاقية جنيف دون ان تسعفه ذاكرته لاستعراض صور حوالي 650 أسيراً ومحتجزاً من 40 دولة تحتجزهم اميركا في قاعدة غوانتانامو هؤلاء الذين يعجز اللسان عن وصف حجم معاناتهم.. ومن الطريف أن يقوم عدد من الاميركيين بالتهكم والسخرية من بوش وحكومته جراء مطالبتهم بمعاملة الاسرى الاميركيين معاملة انسانية حيث اتهمت جمعية اميركية للحقوقيين واشنطن بعدم اعتماد المعايير ذاتها بالنسبة للاسرى من عناصر طالبان والقاعدة معتبرة ان ذلك قد يسيء إلى الاسرى الاميركيين، وقال مايكل راتنر رئيس المركز ان «الولايات المتحدة ليست لسوء الحظ في وضع قانوني واخلاقي». وعندما اكد رامسفيلد ان تصوير الاسرى جريمة حرب لم يكن في ذهنه بالتأكيد تلك الاوامر الصريحة التي اصدرها في افغانستان بقصف قلعة جانجي بالطائرات المقاتلة على رأس من فيها من الاسرى، وخرج على شاشات التلفزيون وهو يقول بكل صراحة لا نفضل بقاءهم على قيد الحياة نحن لا نريد اسرى!! اما سبب الضجة الاميركية على هذه المشاهد فإنها بلا شك ردة فعل على سقوط ورقة التوت عن الصورة الهوليوودية التي رسخت في ذهن العالم قدرات الجندي الاميركي الخارقة للعادة كما تصورها افلام هوليوود، فكيف يمكن ان يرى العالم الجندي الاميركي وهو قتيل او اسير بعد «رامبو» الذي يستطيع الحاق الهزيمة بجيش كامل العدة والعتاد وهو بمفرده على ظهر خيله!! ظهور الاسرى الاميركيين اكد للعالم انهم في النهاية اناس عاديون مثل كل البشر منهم الشجاع ومنهم الجبان ومنهم الضعيف والقوي، فهم ليسوا خارقين للعادة لا يمكن ابداً النيل منهم.. الجندي الاميركي قد يقتل رغم كل الاطنان التي يحملها على ظهره، والاكثر من ذلك قد «يصفر» وجهه من الخوف، وينعقد لسانه رعباً تماماً كما شاهدناهم على شاشات الفضائيات!!