السبت 26 محرم 1424 هـ الموافق 29 مارس 2003 لا شك ان الذي اخترع مصطلح «الحرب النظيفة» شخص يتمتع بخيال طوباوي واسع، كمن يخترع صابوناً من القذارة. تلك الحرب النظيفة حصدت المئات حتى الآن نصفهم من النساء والاطفال، بينما صدام حسين وشبهاؤه وازلامه وقادته احياء يرزقون لديهم مئات الامكنة التي يستطيعون الاختباء بها. وباسم الديمقراطية سيكون الناس اكثر سعادة عندما يرون صور موتاهم وقد علقت على الجدران وعندما يجمعون اشلاء جثثهم من الطرقات وبقايا ذكرياتهم من الموائد والاسرّة والخزائن. لن ينسى القاتل صور الاطفال الممددين على الطرقات ولن ينسى براءة عيونهم وهم لا يدرون ما يحصل سوى رعب يسكن فيها ولن ينسى القاتل صدمته عندما يضغط على الزناد.. والضغط على الزناد ليس نزهة في الادغال، هؤلاء بشر ينتمون الى نفس الجنس الذي يطلق عليهم النار، وللحقيقة فقط يقول العلماء ان الكائن الوحيد الذي يقتل ابناء جلدته هو الانسان، بينما الكائنات الاخرى لا تقتل ابناء جلدتها، والقتل في كل شرائع الكون أبشع جريمة في الحياة، وهؤلاء الذين يقتلون لا يعرفون من الحياة شيئاً يستحق التقدير، ولو ادركوا ذات يوم قيمة الحياة لما فعلوا فعلتهم. ان صور الاسرى الاميركيين تدل على ان صانعي الحروب لا يقيمون وزناً لمشاعر احد، انهم مجرد مراهقين اميركيين على شاكلة هؤلاء الذين نراهم في الافلام يحتسون الخمر في الطرقات ويرقصون على ايقاع اغنية راب حديثة، ولا يعرفون لماذا يقتلون! لأن الذين دفعوهم الى ساحة المعركة ثلة من صناع القرارات وبكل اسف قائد تلك الثلة شخص لا يفقه شيئاً في الجغرافيا السياسية، ولا يفهم في شئون دولته سوى تلك التقطيبة على جبينه وهو يزعق خلف منبره قائلاً سنحمل الحرية الى العراق. اية حرية تلك يا صاحب الرقبة الحمراء التي تأتي على ظهر الدبابات، اية ديمقراطية تلك التي تدك البيوت وتشتت الآمنين، اية انسانية تلك التي تمر عبر جثث الاطفال، ان الديمقراطية في ابسط مفاهيمها ان تستمع الى رأي الناس، والناس، كل الناس في العالم، كل العالم تقول لك «لا للحرب» فلماذا تمضي فيها؟! لقد سقطت اسطورة الرعب والصدمة التي كنت تراهن عليها وظلت تراوح في مكانها شهوة القتل ورائحة الدم. منذ خمسة قرون وحتى يومنا الحاضر اباد البيض في اميركا حوالي خمسين مليون هندي احمر او مواطن أصيل في القارة الجديدة عبر هدايا مسمومة حملت اليه، ابرزها البطانيات الملوثة بجرثومة الجدري ثم البارود ثم الامراض الجنسية ثم الخمر ثم النصال البيضاء وعن النصل الابيض يقول تزفيتيان تودورف في كتابه «فتح اميركا» ان احد بحارة كولومبس شاهد هندياً احمر قرب الشاطئ فقدم له سيفاً حاداً يلمع تحت ضوء الشمس، فأمسك الهندي الاحمر السيف من نصله وليس من مقبضه فدميت أصابعه، لأنه لم يكن يعرف أداة القتل تلك. واليوم، وبعد مرور خمسمئة عام على تلك الابادات استبدل القتلة نصالهم بأدوات جديدة وجاؤوا تحت شعار الديمقراطية. يا لبؤسهم.. يا لخيبتهم.. يا لصغر الانسان عندما يقتل الانسان.. هكذا لأنه يحب القتل. E-mail: H-S-D@maktoob.com