الجمعة 25 محرم 1424 هـ الموافق 28 مارس 2003 لـ (كامب ديفيد) في الذاكرة العربية محطات لا تسر، بل هي تجرح القلب كما جرحت الكثير من الثوابت المتعلقة بأخص قضايانا وأكثرها خطورة: قضية الصراع العربي ـ الاسرائيلي. لقد ظللنا طوال قرن من الزمان نحمل صخرة القضية على أكتافنا ونسير بها على طريقة خطوة للأمام خطوتين للخلف، وها هي النتيجة كما نعيشها اليوم: كارثة أخرى تزلزلنا، ومنعطف اخطر يواجهنا ونحن في اقسى ظروفنا ضعفا، وتشرذماً، واستسلاماً!! في كامب ديفيد، كان التوقيع الاشهر الذي وضعه الرئيس المصري الراحل (انور السادات) على اتفاقية التطبيع الاولى بين مصر: قلعة العروبة وعمق الأمة ودرعها الحصين، وبين دولة شذاذ الآفاق اعداء الأمة والدين، فانتهت مصر بعد معاهدة كامب ديفيد في نهاية السبعينيات الى العزلة العربية، وانتهى العرب الى اليأس ونفق الاحباط والتشتت والتخبط، لتتوالى عليهم المصائب واحدة بعد الاخرى، وهم في كهف العجز لا يبادرون الى فعل ولا يقتنصون اي فرصة تلوح في الافق، فاستحق النظام العربي الرسمي صفة: المفعول به، واستحق الرسميون السياسيون لقب: مفوتي الفرص بجدارة. وبعد ثلاثة عقود من الزمن، توالى على الادارة الاميركية رؤساء وحكومات، وظل العالم العربي يحتفظ بوجوه رؤسائه وحكوماته وكأنه يعيش في متحف شمع، وكان من بين الرؤساء الذين وضعوا بصماتهم على تاريخنا، الرئيس (بيل كلينتون) الذي كان له (شرف) زج القضية الفلسطينية في نفق كامب ديفيد آخر ولكن في حديقة الزهور في البيت الابيض، حيث ما زال مشهد يد ياسر عرفات الممدودة زمنا باتجاه رئيس وزراء الكيان الصهيوني (رابين) الناظر الى عرفات بحقد ظاهر، ما زال ماثلا في الذاكرة العربية المطعونة من بني جلدتنا وليس من اعدائنا، لان العدو لا ينتظر منه الا ان يكون عدواً بكل ما تحمله حالة العداء من سلوكيات وتوجهات وسياسات!! في منتجع داوود او كامب ديفيد، عقد رئيس الوزراء البريطاني توني بلير، والرئيس الاميركي بوش قمة مشاورات عاجلة في ظلال حرب مجنونة يقودانها ضد العراق، ليقفا بعدها امام الصحفيين مؤكدين على جملة حقائق علينا ان نعيها، طالما أننا ما زلنا في وضعية المفعول بهم، وهذه المرة فإن الفعل الواقع علينا حرب شرسة تحمل شعاراً زائفاً (تحرير العراق ونزع اسلحة الدمار) بينما هي في حقيقتها حرب استهداف واضحة تريد ان تخلط كل الاوراق لتعيد فرز المنطقة: أنظمة وشعوبا وتوجهات وفق الهوى الاميركي ومن يظن خلاف ذلك فليراجع نفسه جيدا!! أول الحقائق التي اكدها بوش ان الحرب مستمرة حتى النهاية وان وقت التراجع قد فات نهائيا، وعليه فهو يوجه رسالة واضحة لكل صوت يطرح مبادرة وقف اطلاق النار، أو اية مبادرات سلام توقف القصف والدمار والقتل العبثي في مدن العراق وضواحيه، (نحن نتقدم ببطء، لكننا نتقدم بثبات نحو تحقيق الهدف (النبيل) الذي ذهبنا بجيوشنا لتحقيقه: الاطاحة بصدام، ونزع اسلحة الدمار وتحرير العراقيين). هكذا يصر بوش على التمسك بقميص (عثمان) متجاهلا كل الحقائق التي صارت معروفة ومكشوفة لاهداف الحرب على العراق!! ثاني وأهم هذه الحقائق التي كشفها حديث بوش في المؤتمر اشارته، لموضوع امكانية استخدام النظام العراقي لأسلحة الدمار الشامل ضد القوات الاميركية البريطانية، لقد اعترف بوش بأن هذا الاستخدام سيؤكد صحة الحرب على العراق وشرعيتها!! اذن فالحرب حتى هذه اللحظة ليست صحيحة وليست شرعية، وبوش يعلم ذلك، وان الذي سيعطيها شرعيتها هو نظام بغداد نفسه، فإذن جيوش الولايات المتحدة ومفصل مهم في تاريخها وموقفها امام العالم هو بيد العراق وهذا من أغرب ما يمكن ان يقال في حرب بهذا الحجم وبهذه القوة غير المسبوقة حسب تعبير وزير الدفاع الاميركي دونالد رامسفيلد!! اعترف الرئيسان بأن هناك معارضة ضخمة ضدها وان حاولا التقليل من اهميتها (فجزء من اوروبا ضدنا، اما الدول الحديثة الانضمام للاتحاد الاوروبي فهي معنا) هكذا صرح بلير، مشيرا الى دول في حجم استونيا وليتوانيا، والتشيك، وصربيا .. ومتجاهلا ثقلا ضخما لـ (فرنسا والمانيا وغيرهما) ما يدل على ضعف الموقف وضعف الحجة وعمق الورطة السياسية والعسكرية التي يعانيانها. صرح بوش في بدايات الحرب بأن 40 بلدا تقف الى جانبهم في الحرب، دون ان يشير الى هذه البلدان! لكنه حينما ذكرها في مؤتمره فقد اشار الى: بريطانيا، بولندا، استراليا (متجاهلا اسبانيا التي وجه برلمانها للحكومة كلمة قاسية قال فيها لقد خانكم اصدقاؤكم الاميركان) فاين الـ (40 بلدا اذن)؟ انها حرب عبثية، الكذب فيها اكثر من الحقائق، الورطات فيها اكثر من الانجازات، المؤتمرات تمطرنا كما تمطر القنابل والصواريخ العراق، والكل يتضرر، لكن الاشرس والاسوأ لم يأت بعد كما يقول اغلب المحللين .. وما كامب ديفيد الأمس سوى محاولة لذر الرماد في عيون العالم!!